إظهار الرسائل ذات التسميات طلب العلم. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات طلب العلم. إظهار كافة الرسائل
كيف تكون قارئاً عظيما للكتب
هذه عشر خطوات؛ لتطوير مهاراتكَ في القراءة؛ حتى تكونَ منَ المتمَكِّنينَ فيها، ولتصبح منَ القُرَّاء الكبار، اخترتُها لك - عزيزي القارئ - من بين عشرات المقالات باللغة الإنجليزية المنشورة في هذا الموضوع، وقمْتُ بترجمتها بتصَرُّف، وهي للمدرب المتخصص في التنمية وتطوير المهارات السيد: (Jim M.Allen جيم الين)، وتأتي على النحو التالي:
1- ليس منَ الضروري أن تكونَ قارئًا سريعًاً لتحصلَ على الفائدة:
فبعض الناس يقرأ بسرعات عالية، وآخرون يقرؤون بسرعات متوسطة، والبعض الآخر يقرأ ببُطْء؛ للحصول على كلِّ المعلومات، والسرعةُ في حقيقة الأمر ليست بالأهمية الكبيرة؛ بلِ المهم الحُصُول على الفائدة التي تريدها وتتوَخَّاها من قراءة الكتاب أوِ المقال أوِ المجلة، ودعوني أخبركم سرًّا، لا يُقال في دورات القراءة عمومًا، ودورات القراءة السريعة خصوصًا، وهو أن طبيعة وموضوع الكتاب تفرض عليك سرعة قراءته؛ حتى تستفيد منه الاستفادة المُثْلى، فالكُتُب التي تعتني بجمع المقالات مثلاً؛ ككتاب "مقالات لكبار كتَّاب العربية في العصر الحديث"؛ للشيخ محمد إبراهيم الحمد، والذي أنصح بقراءته؛ لما يَحْوِيه من فوائدَ جميلةٍ، ومقالات متميزة، والتي توجد نسخته الإلكترونية كاملة على بعض مواقع الإنترنت - يمكن قراءته بالطريقة السريعة، وأما عندما تتناول أحد الكُتُب الفقهيَّة المتخصصة، أو الكُتُب الفكريَّة العميقة لتقرأه، فطبيعة الكتاب تجبرك وتفرض عليك فرضًا أن تقرأه ببطْء، أو بسرعة متوسِّطة؛ حتى تستوعبَ ما فيه؛ لذلك فسرعة القراءة تتفاوت حسب طبيعة الكتاب وموضوعه، وتذَكَّر دائمًا أنَّ المهم هو الحُصُول على الفائدة، وليس إنهاء الكتاب بسرعة أو بسرعة عالية.
2- اعرف: لماذا تقرأ؟
فيجب عليك أن تعرفَ هدفكَ قبل القراءة، والذي بناء عليه تقوم باختيار الكتب التي ترتقي بإدراككَ ومعارفكَ، فهل أنت تقرأ للتسلية والمتعة؟ أو تقرأ للتعلُّم المستمر، الذي يطوِّر من مفاهيمكَ ومعارفك وقدراتك، ونظرتك للحياة والكون، والحكم على الأشياء، وبناء وتكوين شخصيتك الثقافية والقيادية والفكرية التكوين المناسب؛ حتى تكون مؤثِّرًا في محيطكَ والمجتمع من حولكَ؟
3- أنت لا تحتاج أن تقرأ عنْ كلِّ شيءٍ:
فليس كل كتاب، أو مجلة، أو بريد إلكتروني تحتاج إلى قراءته أو قراءتها، فمُعظم المجلاَّت والرسائل الإلكترونية في حقيقتها لا تحتوي على ما ينفعكَ؛ لذلك منَ المهم أن تتحكَّم فيما تقرأ، والوقت التي تبذله في القراءة، واخترِ الكتاب الذي يتناسب مع تخصصكَ واهتماماتكَ ومجالك الذي تريد أن تبرزَ فيه.
4- ليس منَ المهم أن تقرأ الكتاب أو كل شيء يقع في يدك:
فهل تقرأ كل المقالات في المجلة التي تقع تحت يدك؟ وهل تقرأ كل أجزاء وفُصُول الكتاب؟
في حقيقةِ الأمر إذا سرتَ بطريقة قراءة كل شيء، فأنت قد تقرأ فصولاً أو مقالات كثيرة لا تحتاجها فعلاً، فقط اخترِ الأجزاء المهمة منَ الكتاب، والتي يهمك قراءتها، وتتفق مع ما تبحث عنه من فوائد أو معلومات، وكذلك كنِ انتقائيًّا في قراءتك للمقالات، وقد ذَكَر أحد المفكِّرينَ الكبار أنَّ عقلكَ ينتج بحسب ما تضعه فيه، فهو كالطاحونة إن وضعتَ فيه قمْحًا جيدًا، أخرج دقيقًا جيدًا، وإن وضعتَ فيه غير ذلك، أخرج ما وضعته فيه، فاحرِص على ما تضعه في عقلك الذي يعتبر الأداة الرئيسة لك للحكم والتعامُل مع العالَم، والمشكلات، والتصوُّرات، والأفكار، وهو مصدر بناء شخصيتكَ، والأمر راجعٌ إليك، ولا يشارككَ فيه أحدٌ.
5- اختبر حالتكَ النفسية والمزاجية قبل أن تبدأَ في القراءة:
فحالتُكَ النفسية والمزاجية مهمة جدًّا قبل البَدْء في القراءة، وفي الأوقات المخَصصة لها، فعندما تكون صافيًا ذهنيًّا وغير مرهقٍ، فيُمكنكَ قراءة الكتب الدسِمة التي تحتاج إلى تركيزٍ كبيرٍ، وإن كنتَ تحس بالإرهاق أوِ التَّعب، فاخْتر ما يناسبكَ منَ الكُتُب السهلة والخفيفة، والتي لا تحتاج إلى مجهودٍ في قراءتها.
6- قمْ بترتيب أولوياتكَ في القراءة:
اجْعل قراءتك حسب أولوياتكَ، فإذا كنتَ تنوي تأليف كتاب، أو كتابة بحث أو مقال، فيجب أن تكون قراءاتكَ في الموضوع الذي تنوي الكتابة فيه، وهذه نصيحة مهمة جدًّا لمن أراد أن يستمرَّ في القراءة، وهو أن تجعلَ من ضمن أهدافك منَ القراءة إنتاج أفكار ورؤًى وتصورات جديدة، قد تتَّصف بالإبداع لما قرأت فيه وعنه، وذلك من خلال تأليف الكتب أو كتابة البحوث والمقالات، وهذا - من واقع التجربة والخبرة من قِبَل كثيرينَ - يدفعكَ للاستمرار في القراءة، وهو من أهم الدوافع فيها.
7- حَسِّن ورَتِّب وهَيئ مكان قراءتكَ:
فأنتَ سوف تقرأ وتستوعب بشكلٍ أفضل، إذا كان المكان الذي تقرأ فيه مرتَّبًا ومُهَيَّأ بشكلٍ يساعدك على القراءة، وتعتبر راحتكَ في وضعيَّة الجلوس عاملاً مهمًّا للاستمرار في القراءة، وكان علي الطنطاوي - الشيخ، والداعية، والأديب، والمربِّي الفاضل، وأحد أكابر القرَّاء العرب في العصر الحديث - قد رَتَّب وسائد بأحجام مختلِفة يضعها خلف ظهره، أو يَتَّكئ عليها حسب الوضعيَّة التي تساعده أن يكونَ في راحة تامَّة أثناء القراءة.
8- إذا بدأتَ في القراءة لا تتوقَّف:
اقرأ مباشرةً، ولا تتوقَّف إلاَّ لسببٍ ضروري وقاهرٍ يجبركَ على التوقف عن القراءة، وإذا انتهيتَ منَ القراءة وكان لديك أسئلة، عُد مرَّة أخرى لفصول الكتاب؛ للبحث عن أجوبة للأسئلة التي وردت في ذهنكَ، أوِ ابْحث عنِ الإجابة في كُتُب أخرى، وإذا كنتَ لا تملك أسئلة، فأنتَ في حقيقة الأمر قد حصلتَ على ما تحتاج إليه، والأسئلة مفتاح خيرٍ عظيم لِمَن أراد التطوُّر المستمر في شخصيته وتكوينه الفكري والقيادي، وأذكر أنِّي حضرتُ ملتقى التميز والإبداع الإداري، الذي نظمتْه الجمعية السعودية للإدارة، وعقد في مدينة الرياض في الفترة 8-10 صفر 1428 هـ، وكان من ضمن المشاركين في البرنامج العلمي البروفسور مايكل ماركورت، من جامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي ألقى محاضرةً بعُنوان: "القيادة في القرن الحادي والعشرين: الأسئلة أولى منَ الإجابات"، ومع أن مدَّة مشاركة البروفسور كانت ربع ساعة تقريبًا؛ إلاَّ أنها من أجمل وأروع المشارَكات في ذلك الملتقى، وعادتْ عليَّ شخصيًّا بفوائدَ جميلةٍ؛ وذلك لسبب يسيرٍ جدًّا، وهو أنَّ المحاضَرة - وبصورةٍ أساسية - تعطي منهجًا، ولا تعطي معلومات، ومَن يمتلك معلومات فكأنما امتلك قطعة ذهبيَّة، وأما مَنِ امتلكَ منهجًا فكأنما امْتَلَكَ مَنْجَمًا منَ الذَّهَب، وما أريد أن أصل إليه من خلال هذه القصة هو التالي:
مَن أراد التميُّز فعليه أن يدفعَ ثمن تكاليف أسئلة تبدأ بـ: "لماذا؟ وماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وأين؟ وماذا لو؟ وهل؟ وغيرها منَ الأسئلة، ويبذل جهده، وتعبه، وعرق جبينه، وشيئًا من راحته النفسيَّة؛ للحُصُول على إجابات لتلك الأسئلة مقابل التميُّز والتفرُّد الذي ينشده؛ لأن ضريبته باهظة، خصوصًا مَن كان يريد نجاحًا وتميُّزًا ذا معنى حقيقيٍّ، وليس زائفًا، وفرق كبيرٌ بين المعنيينِ.
9- رَكِّز: تذَكَّر جيدًا أنكَ تقرأ، ولديك هدف وغرض وغاية من قراءتك؛ لذا يجب عليك التركيز في المادة المقروءة، وإذا فقدتَ التركيز والاهتمام بعد فترة منَ القراءة، يمكنكَ أخْذ راحة، أو قراءة كتاب آخر، والمهم هو أن تحافظَ على مسارِكَ في القراءة، وحسب المادة التي تقْرَؤها وترجو منها الفائدة الفكرية والذهنية لعقلك، الذي يتطوَّر بشكلٍ مستمرٍّ مِن خلال القراءة، والتَّعلُّم بالطُّرق المختلفة، ولا تنسَ أنَّ القراءة أهم طرق التعلُّم؛ كما تشير إلى ذلك الكثيرُ منَ الدِّراسات.
10- تدرب ومارس:
إنَّ القُرَّاء الكبار لم يولدوا مِن بين يوم وليلة ورأوا أنفسهم قراءً عظامًا؛ ولكنهم تعبوا وبذلوا الأسباب، وتعلَّموا من أخطائهم؛ سواء في اختيار الكتب أم طريقة القراءة، وفهموا واستوعبوا الدروس من خلال التجربة والخبرة والممارسة، وهذه الطُّرق التي ذكرتُها تعطيكَ جزءًا مُهمًّا وكبيرًا لتطوير مهاراتك في القراءة؛ ولكن يبقى الدور المحوري والرئيس والمهم عليك أنتَ - عزيزي القارئ.
القراءةُ ليستْ هواية كما يظن الكثيرون، ومِن سخف القول أن يجيبَ أحدُهم عندما يُسأل عن هوايته بأن هوايته القراءة، إنها منهج حياة متكامِل وضروري ومهم وحيوي، لمن أراد أن يكونَ مشعل نور وإضاءة، وقائدًا ذا أَثَرٍ في هذه الحياة.
وقبل الرحيل، هذه دعوةٌ لقراءة كتاب "عاشق"؛ للشيخ الدكتور/ عائض القرني، والذي يتحدث فيه عن قصته مع القراءة، وفوائد القراءة، ويستعرض بعض النماذج المبرزة في القراءة منَ السلف الصالح، وهو كتاب يجمع بين المتعة والفائدة، كَتَبَه الشيخ بأسلوبِه الأدبي الرفيع.
المصدر: http://islamselect.net/mat/85512
التأليف معاناة ولذة
أما معاناةُ التأليف فمن وجوهٍ كثيرةٍ منها:
كدُّ الذهن، ومعالجةُ العزو، والتأكد من صحة المعلومة، وكثرةُ المراجعة، والحذرُ من الزلل، والحرص على إبراز الأفكار في معرض حسن، وثوب مقبول.
ومنها ما يعتري المؤلف من الملل، والفتور، وصداع الرأس، وقلة النوم، وتعب الأعصاب، وآلام المفاصل والعينين، والانقطاع عن كثير من الملذات، والتقصير في بعض الحقوق؛ فهذه بعض معاناة التأليف.
أما لذته فتكمن بمناجاة الفكر، واصطياد الأوابد، ومعرفة أقدار المؤلفين السابقين واللاحقين، والتعود على طول النفس، والحرص على الوصول إلى الحقائق.
ومن أعظم لذات التأليف:
استشعارُ نهايةِ البحث، والفرحُ بطبعه، ونشرِه، وإهدائه، وانتفاعِ الناسِ به؛ فإن نفع التصنيف - كما يقول ابن الجوزي - أكثر من نفع التعليم بالمشافهة؛ لأن الإنسان يشافه في عمره عدداً من المتعلمين، ويشافه بتصنيفه خلقاً لا يحصون، وخلقاً لم يوجدوا بعد؛ فيكون التأليف من الباقيات الصالحات.
وإن لانتظار مجيء الكتاب من المطبعة فرحة تشبه فرحة انتظار المولود الجديد.
وتكمن - كذلك - باستجماع الخواطر، والخلوة عن الناس، وإلى هذا أشار بعضهم بقوله:
وأطيب أوقاتي من الدهر خلوةٌ *** يقرّ بها قلبي ويصفو بها ذهني
ويأخذ لي من سَورة الفكر نشوةً *** فأخرج من فنّ وأدخل في فنّ
ويفهم ما قد قال عقلي تصوري *** فنقلي عن أذني وسمعي بها مني
وأسمع من نجوى الدفاتر طُرفةً *** أزيل بها همي وأجلو بها حزني
ينادمني قومٌ لديّ حديثهم *** فما غاب منهم غير شخصهم عني
هذا وإن من أعظم نعم الله على المؤلف أن يرى عند عزمه على التأليف أنه سهلٌ ميسور، وأنه لا تَمُرُّ عليه مدة وجيزة إلا أنجزه وأتمه؛ فإذا ما ابتدأ فيه تفتَّق ذهنه عن مسائل لم يحلم بها، وطرأت عليه أبحاث لم يكن يتخيلها، وإذ هو في واد متشعب يرى أنه لا بد له من سلوكه.
ولو علم بادئ الأمر ما سيلقاه من المشقة والتعب لأبعد عن فكره خيال التأليف، ونأى بنفسه عن مسالك التكليف، مفضلاً منادمة الأحباب، ودعةَ التنعم بمغتسل بارد وشراب.
وقد وجدت كلاماً جميلاً حول هذا المعنى للشيخ محمد بن طاهر الكردي في كتابه (مقام إبراهيم)؛ حيث ذكر في خاتمة كتابه كلمة تدور حول التأليف ومعاناته ولذته، ومما جاء في ذلك الكتاب قوله: "هذا، ولما كنت مشتغلاً بالتصنيف، مخالطاً للعلماء أرباب التأليف يمكنني أن أقول: إنني لم أجد أصعب، ولا أتعب، ولا أشغل للإنسان من تأليف الكتب مهما تنوعت واختلفت.
ولئن كان شيء يُسْرع في ضعف الإنسان وهرمه فذلك الشيء إنما هو الاشتغال بالتأليف وحده، وفي الوقت نفسه تجد المؤلف - مع وهنه وضعفه - قوياً في معلوماته، راسخاً في دراساته ومراجعاته؛ فكل شيء ينقص إذا أنفقت منه إلا العلم؛ فكلما أنفقت منه لغيرك بالإفادة زادت معرفتك مهما تكررت منك الإعادة.
فالاشتغال بالتأليف، هو الشغل الذي لا شغل بعده، والعمل الذي ينقطع إليه المرء وحده، تجده يبحث عن مسألة إذا به يعثر على أخرى ولما يكمل الأولى بعد، تراه يحقق في بحث إذا به يصل إلى غيره؛ لتشعّب الكلام، وارتباط بعضه ببعض.
وإنه كثيراً ما تطرأ عليه المسائل، وتنكشف له الدقائق وهو يأكل أو يمشي، أو يريد النوم؛ لذلك يكون المؤلف الخبير بالأحوال لا يخلو عن القلم والورق أنّى سار، وحيثما كان؛ ليقيد رؤوس المسائل التي تطرأ على فكره بغتة، حتى إذا ما رجع إلى حالة الاشتغال قَتَلها بحثاً وأشبعها درساً.
تجده يبتعد عن الأهل والولد؛ خوفاً من أن يقطع أحد عليه أفكاره، ينفرد عن الناس بنفسه، وقد يصطفي شخصاً من شكله وجنسه، يساعده في البحث والتنقيب، ويبيض له مسوداته بنظام وترتيب.
ولست مبالغاً إن قلت: إنه يقضي الساعات الطوال، ويسهر غالب الليالي بالاشتغال في المطالعة والكتابة، لا يسأل عن أكل ولا شرب، ولا يصغي لحديث أو خبر، ولا تجد الراحة إلى جسمه سبيلاً، قد يعتريه الملل، وتتعب أعصابه، وهو مع ذلك يتطلب برهاناً، ويستنبط دليلاً، وقد يريد النوم؛ فيمتنع عليه؛ لشدة تعبه المتواصل؛ لإتمام ما لديه؛ فهو لذلك قد يكون مقصراً عن زيارات إخوانه وأحبائه؛ فإنه من لا يؤدي حقوق نفسه كيف يؤدي حقوق غيره؟
وهو في ذلك معذور مأجور، وفي عمله مغبوط مشكور.
مسكين المؤلف، يشغل حواسه الخمس، ويصل يومه بالأمس؛ ليريح طلاب العلم والفنون، ولأن يصل في بحثه إلى نتيجة مرضية، وخلاصة شافية، وأجوبة سديدة، أحبّ إليه من الدنيا وما فيها، وأشد ما يكون فرحاً إذا ما اهتدى إلى حلّ مسألة عويصة كانت مستعصية عليه، أو أتى ببحث لم يسبقه إليه أحد.
أما ثوابه على عمله وجزاؤه فهذا موكول إلى الله -عز شأنه- فهو الذي لا يَضيع عنده عَمَلُ عاملٍ من ذكر أو أنثى، على أنه - سبحانه وتعالى - قد رفع ذكر العلماء، وأعلى شأنهم في الدارين، وحفظهم من التخريف مهما عمروا، وتقدموا في سن الشيخوخة.
وأما تقديره ومكافأته في المجتمع الإنساني فهذا راجع إلى الوسط الذي يعيش فيه، وإلى القوم الذين ينتمي إليهم؛ فعلى قدر مكانتهم في العلم والأدب، وثقافتهم في مختلف الفنون، وخلوّهم من المكر والحسد يكون تقديرهم لمنزلته، ومعرفته لمكانته، وأكثر المؤلفين لا يظهر فضلهم إلا بعد الممات.
هذه بعض حالات المشتغلين بالتأليف "ولا ينبئك مثل خبير".
لا يعرف الشوق إلا من يكابده *** ولا الصبابة إلا من يعانيها"
وبعد:
فهذه معاناة التأليف، وتلك لذته، وستنقضي المعاناة واللذة بانقضاء عمر المؤلف، وبعد ذلك يكون له الغُنْم، أو عليه الغُرْم؛ فنسأل الله أن يجعل ما نكتب حجة لنا لا علينا، وأن ينفع به، ويجعله خالصاً لوجهه.
المصدر: http://islamselect.net/mat/79690
كيف تنمي ملكتك الفقهية ؟
الفقه في الدين من أجلِّ الفضائل وأعظمها، وأعلى المقاصد في الدارين وأكرمها، فلا يطلبه إلا من علَتْ همته، ولا يتشـوق إليـه إلا مـن استقامت فطرته، وتسامت عن الدنيا طلبته.
لقد حث الإسلام على التفقه في الدين، وأجلَّ فضله ورفـع ذكـره، وجـعل الخيـرية فـيه، كما جاء في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»(1).
فقد حث الوحي أتباع هذا الدين على بذل الجهد في الازدياد الدائم من الفقه، وعلى ذلك دأب الرعيل الأول من هذه الأمة في تعظيمهم شأن الفقه في الدين، فنجد أن الإمام الزهري يقول: «ما عُبد الله بمثل الفقه»(2).
قال ابن الجوزي: «بضاعة الفقه أربح البضائع، والفقهاء يفهمون مراد الشارع، ويفهمون الحكمة في كل واقع، وفتاويهم تميز العاصي من الطائع»، وأضاف: «الفقه عليه مدار العلوم؛ فإن اتسع الزمان للتزيد فليكن في التفقه فإنه الأنفع»(3).
فالحرص على استغلال فرص العمر، في ملئها بالازدياد من الفقه في الدين والارتواء من معِينه الثر، من أساليب أجلة العلماء ومناهج أغلب العقلاء. وفي خضم المستجدات الحياتية المتسارعة، وتشعب الفتوى، وجرأة وتطاول غير أهل الشأن على التصدر والتعالم والتقول على الله بغير علم؛ مما أدى إلى اضطراب عظيم وضرب صارخ لمحكمات النصوص بعضها ببعض، ورد بعضها تحت طائلة التخرص وتحكـيم الهوى على النـص، أو زعـم موافقـة روح الشريعة..، في خضم هذا التهارج دعت الحاجة أكثر من ذي قبـل إلى إشـاعة تنـمية الملـكة الفـقهية بـين الدارسـين، حتى يـتأتى تخـريـج طلبة علم فقهاء، يملكون سلطان المواءمة بين نصوص الشرع واستيعاب الواقع؛ لسد حاجة المسلمين في تغطية مستجدات الحياة ذات التعقيد البالغ بالفقه الحي الذي أساسه ومبناه على الوحي..وفي إطار ذلك لا بد لطالب العلم أن يكون منضبطاً في رؤيته، وأن يضع لنفسه غاية نبيلة يسعى إلى تحقيقها، فتكون جهوده هادفـة وعلمـه لمقـصد.يقول الإمام الشاطبي: «كل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل عمل القلب وعمل الجوارح، من حيث هو مطلوب شرعاً. والدليل على ذلك استقراء الشريعة، فإنا رأينا الشارع يعرض عما لا يفيد عملاً مكلفاً به»(4).
وهـنا يلزم التأكـيد قـبل كل الشـروط والوسـائـل التي لا مناص منها لتنمية ملكة الفقه على ضرورة إخلاص النية لله - عز وجل -، وإلا محقت بركة هذا التفقه وكان وبالاً على صاحبه، كما لا بد من التقوى التي هي خَلَف من كل شيء ولا خلف منها، والتي هي وصية الله - تعالى - للأولين والآخرين.
قال - تعالى -: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء: 131]، ثم هو سبب لتحصيل كل علم نافع، قال - تعالى -: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّـمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: 282]
والحديث عن تنمية الملكة الفقهية يمر عبر عدة وقفات:
أولها: تعريف هذا المركب لغة واصطلاحاً:
1 ـ التنمية والنماء: ومعناها: الزيادة والعزو والكثرة والعلو والرفع.
ونَمَيْتُه: رفعتُه على وجه الإصلاح.
ومنه حديث أم كلثوم بنت أبي معيط - رضي الله عنها -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيراً وينمي خيراً»(5).
ونمَّاه: زاده وكثًّره، ومنه قول الأعور الشني:
لقد علمت عميرة أن جاري
إذا ضن المنمي من عيال
وكل شيء رفعته فقد نميته، ومنه قول النابغة:
فعدِّ عما ترى إذ لا ارتجاع له
وانمِ القُتُود على عيرانة أُجُدِ(6)
وأما التنمية اصطلاحاً: فتعني الترقية والتطوير والتقوية ومضاعفة القدرات.
2 ـ الملكة: ملك يملك ملكاً وملكوتاً وملكة: إذا قوي في الشيء. والملكة بمعنى الملك، ومن ذلك قوله - تعالى -: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4] ومنها قوله جل ذكره: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْـمُلْكِ تُؤْتِي الْـمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْـمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ [آل عمران: 26]، وتأتي ملك بمعنى نفع، ومنه قوله - تعالى -: وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [المائدة: 41].
وتأتي بمعنى الطاقة، ومنه قوله - تعالى -: مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا.. [طه: 87]، وتأتي بمعنى القهر والسلطان والعظمة، ومنه قوله - تعالى -: الْـمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْـحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [الفرقان: 26].
والملكة في الاصطلاح: صفة راسخة في النفس تكتسب عن طريق التكرار(7).
3 ـ الفقـهيـة: وهي نسبة إلى الفقه الذي هو لغة: الفهم، ومـنـه قولـه - تعالى -: قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ [هـود: 91]، وقــولــه جـل ذكـره: فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء: 78]، وقولـه جلت عـظـمـتـه: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه: 27 ـ 28]، والفـقه في الدين يعني معرفة الأحكام الشرعية العمـليـة التـي بعــث بها محــمـد - صلى الله عليه وسلم -، وهـو المقصود بقوله - تعالى -: فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [التوبة: 122].
وقد ذهب المتأخرون من العلماء إلى حصر الفقه في دائرة العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من الأدلة التفصيلية. يقول الإمام البيضاوي: «الفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية»(8).
وتأسيساً على ما تقدم فإن الملكة الفقهية إذاً هي: (اكتساب الفقه الشرعي تنظيراً وممارسة، حتى يصير سجية تمكِّن صاحبها من فهم المسائل المعروضة عليه، وتقوده إلى امتلاك آلية تسعفه بتنزيل النصوص على الوقائع واستنباط الأحكام الشرعية في ظلها، ترجيحاً بين الآراء، وتخريجاً على مذاهب الفقهاء، وموازنة بين المصالح والمفاسد). ولتحصيل ملكة علمية راسخة لا بد من أخذ العلم على يد العلماء الراسخين فيه، يقول الإمام الشاطبي: «من أنفع طرق العلم الموصلة إلى عناية التحقيق به أخذه عن أهله المحققين به على الكمال والتمام»(9)، ويضيف الإمام الشاطبي مبيناً صفة العلماء الذين هم أهل لأنْ يؤخذ عنهم: «وللعالم المحقق بالعلم أمارات وعلامات... إحداها العمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقاً لفعله، فإن كان مخالفاً له فليس بأهل لأن يؤخذ عنه ولا أن يقتدى به في علم،... والثـانية أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم، لأخذه عنهم وملازمته لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا كان شأن السلف الصالح،... والثالثة الاقتداء بمن أخذ عنه والتأدب بأدبه كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واقتداء التابعين بالصحابة وهكذا في كل قرن.. »(10). وكذلك لا بد للعامل على تنمية الملكة الفقهية من تنويع المشايخ الذين يأخذ عنهم، يقول ابن خلدون: «على كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها»(11). وقال السختياني: «إنك لا تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره»(12).
ثانياً: أسس بناء الملكة الفقهية:
ولكي ينمي طالب العلم ملكته الفقهية لا بد له من التركيز على أسس يقيم تشييد بنيان طلبه عليها:
1 ـ الإخلاص:
يقول ابن فارس: الخاء واللام والصاد أصل واحد مطرد، وهو تنقية الشيء وتهذيبه(13). والإخلاص هو ترك الرياء في العمل.
يقول الله - تعالى -: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: 36]، فالعمل حتى يكون مقبولاً عند الله ـ جل ذكره ـ لا بد أن يتصف بصفتين، أولاهما الإخلاص، والثانية الاتبـاع، قال الله جلت عظمته: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِـحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110]، وقـال - تعالى -: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْـخَالِصُ [الزمر: 3]، وقال جل ذكره: إنَّا أَنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْـحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين [الزمر: 2] وقال - تعالى -: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف: 29]، ذلك أن الشـرك محبط للعمل مؤذن بالخسارة، يقول - تعالى -: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْـخَاسِرِينَ [الزمر: 65]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه» قال: «... ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرّفه الله - تعالى - نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ؛ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار... »(14).
قال ابن عبد البر: «وهذا الحديث فيمن لم يُرد بعمله وعلمه وجه الله تعالى»(15).
ولما سمع معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - هـذا الحـديـث بكـى ثـم قـال: «صـدق الله ورسـوله: مَن كَانَ يُرِيدُ الْـحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود: 15 ـ 16](16). وعن ابـن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من طلـب العلم لغير الله ـ أو أراد به غير الله ـ فليتبوأ مقعده من النار»(17).
ذلك أن العلم الشرعي إنما يعد من أجل القرب إلى الله، والله - تعالى - لا يُتقرَّب إليه إلا بما شرع بعد الإخلاص له فيه، يقول الإمام الشاطبي: «كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يـكون مـن حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله - تعالى -، لا من جهة أخرى؛ فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى فبالتبع والقصد الثاني لا بالقصد الأول»(18).
وعـن أبـي هـريـرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مـن تعلّـم علـماً مما يبتـغى بـه وجـه الله لا يتـعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»(19).
فيجب على طالب العلم أن يتقي الله في نفسه ويخلص العمـل لله - تعالى -، ويبادر بالتوبة والإنابة وتصحيح المسار في العـمل والطلـب، ويجعل همه بعلمه ابتغاء وجه الله والدار الآخـرة، بعـيداً عــن الريـاء والتسـمع والإخـلاد إلى قلـيل المتـاع من الدنيا، ولا شيء أعظم في ذلك دلالة من قول النـبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمـال بالنـيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»(20). وفي هذا الإطار لا بد لمتطلب العلم من التطابق بين القـول والعـمل؛ فـقـد نعى الله - تعالى - على أهل الكتاب من قبلـنا التنـاقض بين القـول والعمل، فقال: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة: 44]، كما نعاه على هذه الأمة، وعده من أسباب مقـته جـل شأنه، قال - تعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف: 2 ـ 3]، وقـد كان منهـج الأنـبياء قائـماً على التطابق بين القول والعمل، وفي ذلك يقول ـ جل ذكره ـ نقلاً عن شعـيب: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود: 88]. يقول الإمام الشاطبي: «العلم الذي هو العلم المعتبر شرعاً ـ أعني الذي مـدح الله ورسـوله أهـله على الإطلاق ـ هو العلم الباعث على العمل، الذي لا يخلي صـاحـبه جـارياً مـع هـواه كيفما كان، بل هو المقـيد لصــاحـبـه بمقـتــضاه، الحـامـل لـه على قوانـيـنه طـوعاً أو كرهاً»(21).
2 ـ معـرفة الأحكام الشرعية الفرعية، سواء أكانت عيـنـية أو كفـائـيـة، وسـواء أكــانـت مــن العــبـادات أو المعاملات:
وهنا يطيب لي التنبيه على الأولويات التي ينبغي أن يهتم لها طالب العلم، فليس كل علم حري بالدراسة، وما كل علم قَمِن بالاهـتمام، يقـول الإمام الشاطبي: «من العلم ما هو مـن صلب العلم، ومنه ما هو ملح العلم لا من صلبه، ومنه ما ليس من صلبه ولا ملحه»(22).
وتحصيل الأحكام الشرعية إنما يتم عبر منهجين:
1) معرفة هذه الأحكام عن طريق النصوص من الكتاب والسنة، استقراءً ودراسة وفهماً واستخلاصاً.
فلتحصيل المسائل المتعلقة بالأحكام لا بد من دراسة هذا الكتاب العزيز والعكوف عليه، وتحصيل دلالته بعد حيازته حفظاً وتفسيراً وأحكاماً وفهماً، حتى يفقه طالب العلم ناسخه ومنسوخه، وعامه وخاصه، وراجحه ومرجوحه، ونصه ومؤوله.
ثم يسلك الطريق نفسه مع السنة النبوية بوصفها الرافد الثاني لشريعة الله المحكمة، المبينة للقرآن ومعانيه، والمخصصة له والمرجحة لأحكامه، فلا بد من قراءة صحاحها وسننها وجوامعها ومصنفاتها.
وفي سبيل ذلك لا بد أن يكون طالب الفقه مستعداً لتحمـل أصـعب المـشاق وأعظم المتاعب؛ إذ الفقه في الدين لا ينسجم مع اتباع الهوى والركون إلى الراحة والدعة. يقول يحيى بن أبي كثير: «لا يستطاع العلم براحة الجسم» (23)، فلا بد من الصبر والجلد وطول النفس، يقول خالد بن صفوان: «مفتاح نجح الحاجة الصبر على طول المدة، ومغلاقها اعتراض الكسل دونها» (24).
ويقول ابن حنبل البوحسني الشنقيطي:
جرع النفس على تحصيله *** مضض المرين ذل وسغب
2) معرفة الفقه عبر مذهب من المذاهب المتبوعة.
هذه المذاهب التي لم تقم إلا للارتواء من الفقه والازدياد من معارفه، فعن طريقها يتمكن طالب العلم من تشقيق مسائل الفقه وتفريع دلائلها، وحصر جزئياتها تحت أبواب واضحة المعالم، وترتيبها ترتيباً يسهل عليه خوض غمارها وكشف دثارها وجمع صغارها وكبارها.. ؛ فقد بلغ أئمة هذه المذاهب أبعد الشأن في علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية القصوى في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى، وصار الناس كلهم يعولون في الفتوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم، وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم، حتى ضُبِط مذهب كل إمام منهم؛ أصولُه وقواعدُه وفصوله، فانضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام، وكان ذلك من لطف الله على عباده المؤمنين، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين.
إن هذا المسلك الثاني للتفقه في الدين يراد به التزام طالب العلم في بداية الطلب أحد هذه المذاهب تخرجاً وتفهماً وتفقهاً، حتى تتضح له الرؤية الفقهية وتنضبط عنده المسائل، وتستقيم له الدلائل، ويجتمع لديه الفقه بعيداً عن التعصب المذموم والتقليد المقيت، في إطار من التعلق بالدليل والركون إليه.
هذه المذاهب إن اجتمعت على حكم شرعي واتفقت عليه سبل أربابها كان هو الحكم المعبر عنه بالإجماع والاتفاق في كتب الفقه ومسائله وأبوابه، وهذا النوع لا يعد خصوصية لأي من المذاهب، بل هو مما أطبق عليه أئمة الإسلام. بعكس الحكم الشرعي المختلف فيه، فإنه يعد من خصوصيات المذهب الذي أخذ به أهله بل قد يكون من مفرداتهم؛ فهو قول لإمام ذلك المذهب، والمنتسبون إلى المذهب ينتسبون إليه من هذا الوجه، ويوصفون تبعاً لذلك بحنفيتهم أو مالكيتهم أو شافعيتهم أو حنبليتهم.
والفقـه الذي نحـن بصـدد تحصـيله وتنمـية المـلكة فيه لا يخرج عن أمور خمسة، بيّنها الإمام القرافي بقوله: «المذهب الذي يقلد فيه الإمام خمسة أمور لا سادس لها: أولها: الأحكام: كوجوب الوتر، والأسباب: كالمعاطاة، والشروط: كالنية في الوضوء، والموانع: كالدَّين في الزكاة، والحِجاج: كشهادة الصبيان والشاهد واليمين، فهذه الخمسة إن اتفق على شيء منها فليس مذهباً لأحد»(25).
فأول هذه الخمسة ـ كما سبق ـ الأحكام الشرعية الفروعـية الاجـتهـاديـة، سـواء أكـان تعـلـقـها بالعـبـادات أو المعاملات؛ كوجوب الفاتحة في الصلاة وركنية الطواف في الحج.
ثانياً: أسباب تلك الأحكام، والتي إما أن يكون متفقاً عليها بين المذاهب؛ ككون رؤية الهلال سبباً لثبوت دخول الشهر، أو تكون تلك الأسباب مختلفاً فيها؛ كما هو شأن الرضعات المحرمة في عددها وصفتها، فهذه قد وقع الخلاف فيها.
وثالثها: شروط تلك الأحكام، التي منها المتفق عليه؛ كاشتراط حولان الحول لوجوب الزكاة، ومنها المختلف فيه؛ كاشتراط الولي والشهود في النكاح.
ورابعها: موانع تلك الأحكام، والتي منها المتفق عليه؛ كمانع الحيض للصلاة والصوم، ومنها المختلف فيه؛ كمانع الدَّين من وجوب الزكاة.
وخامسها: الحِجاج التي تثبت بها تلك الأحكام، سواء أكان تعلقها بالأسباب أوالشروط أو الموانع، هذه الحجاج التي منها المثبت المتفق عليه؛ كثبوت الأموال بشاهدي عدل في باب الدعاوى، ومنها المختلف فيه؛ كشهادة الصبيان في القتل والجراحات.
فهذه الخمسة المذكورة هي المقصودة بالتفقه والتخرج على أحد المذاهب فهماً ومعرفة ودراسة. ولهذه الطريقة من المحاسن الشيء الكثير؛ فالدارس عندما يتعلم الفقه عبر أحد المذاهب فإنه يتعرف على المسائل المنصوص عليها في الكتاب والسنة، كما يحوز إليها المسائل التي تثبت بالإجماع أو القياس أو قول الصحابي، أو التي تثبت بفتيا السلف وعملهم. ينضاف إلى ذلك أن دارس الفقه عبر أحد المذاهب المتبوعة تخرجاً وتفقهاً يجد مسائل الفقه مرتبة مجموعة في كتب وأبواب مقرونة بأحكامها، مع أن المبتـدئ بالفـقه المذهـبي يحوز ملكة استعمال لغة الفقهاء، ويتعرف على مصطلحاتهم، كما في قول أهل مذهب ما: (قال الإمام: وعليه الأصحاب، وفي رواية: وجزم به المتأخرون، وهو ظاهر الرواية... )، فلا بد لطالب الفقه من معرفة هذه اللغة وتلك المصطلحات حتى يتسنى له الانضمام إلى قافلة الفقهاء.
إن كل العلماء والمجتهدين الذين كان لهم ذكر وريادة، بعد اشـتهار المذاهـب الأربعة، لم يخل أحد منهم من التخرج على أحد هذه المذاهب؛ فابن حزم ـ مثلاً ـ تخرج على مذهب الشافعية، وابن تيمية تخرج على الفقه الحنبلي، والشاطبي تخرج على المذهب المالكي.. ؛ فهي طريقة عامة المتفقهين الذين كانت لهم إمامة في الدين، غير أننا نعود فنكرر: هذا التمذهب ينبغي أن يتم بعيداً عن التعصب والجمود وضيق الرؤية؛ إذ المؤمن متعبَّد بالوحي لا بأقوال الرجال، ومن المذموم المقيت حصر طالب العلم لأدلة المسائل الفقهية في قول إمام معين؛ يستشهد بقوله ولا يستشهد له ولو استبان له الدليل واتضح له التعليل؛ في دائرة من ضـيق الأفـق تجعله لا يرى قولاً صحيحاً إلا في المذهب الذي انتهـجـه، ولا علـماً حـقاً إلا في إطـار ذلك المذهب، وقد انطبع كثير من المتأخرين ـ بكل أسف ـ بهذا التعصب الأصلع والتقليد الأعمى، فجاء النكير شديداً لذلك من جماعات كثيرة من الأئمة الأعلام؛ كابن عبد البر في الجامع، وابن القيم في إعلام الموقعين، والشاطبي في الاعتصام والموافقات.
يقول ابن القيم: «اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قول سواه، بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت منصوص قوله ـ فهذا والله هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله - تعالى - ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة»(26).
وقـد قـرر أهميةَ إعمال أقوال الأئمة الفقهاء عند النظر في النصوص، دون استقلال لها عن النص أو به، أئمةُ الإسلام، ومن ذلك ما قاله الشاطبي: «فبانطماس هذا النور عنهم ضلوا، فاقتدوا بجهالٍ أمثالهم، وأخذوا يقرؤون الأحاديث النبـوية والآيـات القـرآنيـة فيـنزلونها على آرائهم لا على ما قال أهل العلم فيها، فخرجوا عن الصراط المستقيم»(27).
فينبغي لطالب العلم عند النظر في نصوص الشارع كتاباً وسنة أن يطالع أقوال الصحابة ـ - رضي الله عنهم - ـ فمن بعـدهم مـن التابعـين وأتبـاعهم، ثـم يقـرأ أقـوال وفـهوم أصحاب المذاهب المتبوعة لتلك النصوص، ويختار قولاً من بينها إن كانت له أهلية اجتهاد، ولو جزئية، بناء على قوة دليله.
فالنظر إلى النصوص يستلزم استظهار أقوال الفقهاء؛ حتى لا يأتي المتفقه بقول لا سلف له فيه.
وهنا تنبغي الإشارة إلى ضرورة تطبيق المنهج النبوي التربوي في التعليم، ذلك المنهج القائم على التدرب والاستنباط وعرض المسائل، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن من الشـجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي؟ » قـال: فوقـع في نفسي أنها النخلة، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: «هي النخلة»(28). فالفقهاء يحتاجون إلى استلهام هذا المنهج وتطبيقه، يقول ابن القيم: «كثرة المزاولات تعطي الملكات، فتبقي للنفس هيئة راسخة وملكة ثابتة»(29).
وكان العلامة السعدي يعقد المناظرات بين طلابه لإحياء التـنافـس في الطلـب وترسـيخ المسـائل في الأذهـان، ويطرح عليهم المسائل ليستخرج منهم الجواب، وأحياناً يتعمد تغليط نفسه ليعرف المنتبه والفاهم من بين الحضور، وقد يصور المسألة الخلافية بين الطالبين كل واحد يتبنى قولاً ويدافع عنه، ثم يرجِّح الشيخ القول الصحيح بالدليل(30).
3 ـ معرفة أصول الفقه:
لا بد لطالب الفقه من دراسة أصوله ومعرفتها حتى يكتسب تأصيلاً فقهياً، عن طريق معرفة الكليات والقواعد الكبرى التي تقوده إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، فأهمية هذه الأصول للمتفقه عظيمة، يقول ابن قدامة المقدسي، معرفاً هذه الأصول: «أصول الفقه أدلته الدالة عليه من حيث الجملة، لا مـن حيث التفصيل»(31)، ويقول ابن بدران: «واعلم أنه لا يمكن للطالب أن يصير متفقهاً ما لم تكن له دراية بالأصول ولو قرأ الفقه سنين وأعواماً، ومن ادعى غير ذلك كان كلامه إما جهلاً وإما مكابرة»(32).
فلا بـد مـن العناية بأصول الفقه ودراسة كتبه السالمة مـن اصـطلاحات المتكلمين وتفيقههم؛ ككتاب الرسالة للإمام الشافعي، والموافقات للإمام الشاطبي، وإعلام الموقعين للإمام ابن القيم.
4 ـ دراسة القواعد الفقهية التي تجمع للدارس شتات المسائل:
تلك القواعد التي لا بد للمتفقه منها حتى يتسنى له النظر الفقهي؛ إذ هي عظيمة النفع، جامعة لما تشتت من المسائل الفقهية، وقد رفع العلماء على مر التاريخ من شأن هذه القواعد، واعتبروها من أجل العلوم، يقول القرافي: «وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويُعرف، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قصب السبق مَنْ فيها بَرَع»(33).
والقواعد نوعان: نوع مجمع عليه؛ كالأمهات التي تندرج تحتها معظم أبواب الفقه، مثل: (الأمور بمقاصدها، اليقين لا يزول بالشك، المشقة تجلب التيسير، الضرر يزال، العادة محكمة، إعمال الكلام أولى من إهماله)، فهذه ليست خاصة بمذهب معين.
ونوع آخر مختلف فيه باعتباره أقل شمولية من القواعد السابقة، وهو قواعد كثيرة، منها: (الضرورات تبيح المحظورات، الحدود تسقط بالشبهات، لا يجمع بين معاوضة وتبرع، الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، التصرف على الرعية منوط بالمصلحة).
وقد اختـص كل مذهـب مـن المذاهـب الأربعة بمؤلفات فـي القـواعـد الفقهـية؛ ففـي المذهب الحـنفي يُـعـدّ (الأشباه والنظائر) لابن نجيم من أحسن ما عندهم، وفي المذهب المالكي يُعدّ كتاب (القواعد الفقهية) للمقري وكتاب (الفروق) للقرافي من أحسن وأشهر ما ألف في القواعد على مذهب مالك، أما الشافعية فمن أجمل المؤلفات لديهم في القواعد الفقهية كتاب (الأشباه والنظائر) للإمام السيوطي، وأما الحنابلة فمن أحسن مؤلفاتهم (القواعد الفقهية) لابن رجب الحنبلي.
5 ـ ضرورة دراسة المتفقه علم مقاصد الشريعة:
تلك المقاصد التي يفهم من خلالها الدارس الغايات الكبرى المقصودة من الشارع، والتي راعاها أثناء التشريع ووقت نزول الأحكام، وجعل أساسها حفظ الضروريات الخمس: (حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ المال، وحفظ النسل).
وقد اعتبر العلماء علم المقاصد شرطاً من شروط الفقه والاجتهاد والفتوى. ومن أهم الكتب المؤلفة في علم المقاصد كتاب الإمام أبي إسحاق الشاطبي المسمى (الموافقات)، ذلك الكتاب الذي يعد بحق أماً وأصلاً للمؤلفات في المقاصد، وقد رتب الإمام الشاطبي في هذا الكتاب علم المقاصد وأصله وحققه وهذبه، كذلك يُعدّ كتاب الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور التونسي (مقاصد الشريعة الإسلامية) من أهم ما ألفه المتأخرون في هذا العلم؛ فهذان الكتابان من أجل المصنفات في علم المقاصد.
6 ـ دراسة علم الفروق:
الذي يتمكن الدارس به من التفريق بين المسائل الفقهية المتشابهة؛ فيفرق مثلاً بين أنواع الربا المحرمة والبيوع المباحة، ويستلهم عللها التي قد يتبين بها تحوُّل البيع من الإباحة إلى التحريم..، إلى غير ذلك؛ فعلم الفروق شرط لاكتمال ملكة الفقه، وقد عد كثير من العلماء علم الفروق واجباً لتحصيل درجة الفتيا والاجتهاد وكمال المستوى الفقهي لدى الدارس، يقول الإمام السيوطي: «اعلـم أن فـن الأشباه والنظائر فن عظيم؛ به يُطّلَع على حقيـقة الفـقه ومـدارسـه ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمـه واستحـضاره، ويقتـدر على الإلحاق والتخريج ومعرفة الأحكام التـي ليسـت بمسـطورة، والحوادث والوقائع الـتي لا تنقضي على مر الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا: الفقه معرفة النظائر»(34).
وقد خصه جمع غفير من العلماء بالتصانيف والمؤلفات، من ذلك: كتاب (الفروق) للإمام القرافي المالكي الذي شمل، إلى جانب القواعد الفقهية، فروقاً وافرة كما يشهد بذلك عـنوانه، كذلك كتاب عبد الرحيم بن عبد الله الحنبلي المسمى (إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل)، وقد جمع كتاب (القواعد الجامعة والفروق والتقاسيم النافعة) للشيخ عبد الرحمن السعدي فروقاً كثيرة غاية في الأهمية.
معارف إضافية للفقيه:
إلى هذه الأسس الستة المتقدمة تنضاف معارف لا بد منها للمهتم بتنمية ملكته الفقهية، فالفقيه كلما ازدادت معارفه توسعت مداركه، ولهذا قال ابن الجوزي: «للفقيه أن يطالع من كل فن طرفاً، من تاريخ وحديث ولغة وغير ذلك، فإن الفقه يحتاج إلى جميع العلوم، فليأخذ من كل شيء منها مهماً».. ثم قال: «فينبغي لكل ذي علم أن يلمّ بباقي العلوم فيطالع فيها طرفاً؛ إذ لكل علم بعلم تعلق»(35).
ومن أهم المعارف التي ينبغي للفقيه أن يعتني بها:
1) معرفة تاريخ التشريع الإسلامي ونشأته وتطوره، وتتبع مراحله وأهم المحطات التي مر بها، إضافة إلى أهمية معرفة الفرق والمناهج والمدارس الفكرية وأصولها وطرقها في الاستدلال.
2) معرفة عادات العرب وقت نزول الوحي، يقول الإمام الشاطبي: «ومن ذلك معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم يكن ثم سـبب خـاص لا بـد لمن أراد الخـوض في علم القرآن منه وإلا وقع ـ أيْ: المتفقه ـ في الشبه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة»(36)، وكذلك ضرورة معرفة الواقع الذي ستنزل عليه الفتوى، والذي هو الساحة الميدانية للفقيه.
3) معرفة أسباب النزول، والوقائع التي صاحبت نزول الوحي، والسؤالات التي نزلت آيات وأحاديث الأحكام إجابةً عليها، ويترتب على ذلك معرفة الناسخ والمنسوخ.
4) معرفة اللغة العربية، فأهمية معرفة علوم اللغة العربيـة للدارس لا يدانيها شيء، يقول ابن تيمية ـ - رحمه الله - ـ: «ونفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لايتم الواجب إلا به فهو واجب»(37).
5) طلب المتفقه ما له صلة بالفقه؛ كعلم الحساب الذي يعتمد عليه في كثير من أمور الترِكة ومسائل الفرائض، يقول ابن القيم: «ينبغي للفقيه ألا يكون أجنبياً عن باقي العلوم؛ فإنه لا يكون فقيهاً إلا إذا أخذ من كل علم بحظ، ثم يتوفر على الفقه وينجمع عليه فإنه عز الدنيا والآخرة»(38).
وهذه الملكة الفقهية الناشئة لدى طالب العلم تحتاج إلى رعاية وتعهد وحماية ووقاية لحفظها من الآفات والمعوقات، وذلك بالارتباط بالأدلة الأصلية، يقول وهبة الزحيلي:
«أدلة الأحكام هي روح الفقه، ودراستها رياضة للعقل وتربية له، وتكوين للملكة الفقهية لدى كل متفقه»(39).
آفات في طريق المتفقه:
هذا إضافة إلى أن المتفقه لا بد له من أخذ جميع إجراءات الحيطة؛ حتى لا تدركه بعض آفات التفقه التي قد تعتور طريقه فتوقف سيره أو تؤدي به إلى التخاذل والخور، ومن تلك الآفات:
1) عدم التدرج في طلبه للفقه في الدين، ذلك الفقه الذي لا بد فيه من انتقاء المدرس والتدرج أثناء التحصيل والفهم، وقد أجاد عتبة بن أبي سفيان في قوله لمؤدب ولده: «لتكن أول ما تبدأ به من إصلاح بَنيَّ إصلاح نفسك؛ فإنَّ أعينهم معقودة بعينك؛ فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روِّهم من الحديث أشوقه، ومن الشعر أعمقه، ولا تخرجهم من علم إلى غيره حتى يحكموه؛ فإنَّ ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعلم موضع الداء»(40).
يقول ابن خلدون في مقدمة تاريخه: «اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان على التدرج شيئاً فشيئاً وقليلاً قليلاً، يلقي عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعي في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يَرِد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفن»(41). كذلك ينبغي الترتيب في دراسة العلوم حسب الأولوية؛ فدراسة العقيدة أولى من دراسة النحو.. ؛ إذ العقيدة أهم المهمات وأولى المعارف، والأحكام العينية أولى بالتقديم من الأحكام الكفائية، والتي يكون المسلم أكثر عرضة لها أولى من تلك التي احتمالات تعرضه لها أضأل.. وهكذا.
2) الإكثار من المذاهب والأقوال، والاختلاف وتتبع الأغلوطات وغرائب المسائل، مما يجعله في بداية مشواره الطلبي عرضة لمحبة اللجاج والخصومة من غير طائل، فيخرج عن جادة الصواب، ويكون همه ومبتغاه تحقيق النصر على الخصوم والأعداء، وليس تحصيل الحق واتباعه.
قال ابن القيم: «أخس همم طلاب العلم مَنْ قصر همته على تتبع شواذ المسائل وما لم ينزَّل ولا هو واقع، أو كانت همته معرفة الاختلاف وتتبع أقوال الناس، وليس له همة إلى معرفة الصحيح من تلك الأقوال، وقلًّ أن ينتفع واحد من هؤلاء بعلمه»(42).
3) ومن العوائق أن يدرس الدارس الأصول على مذهب والقواعد الفقهية على مذهب آخر، ثم يأخذ الفروق على مذهب مغاير؛ فهذا يربك الدارس ويذبذبه، فالأولى له دراسة هذه العلوم على مذهب واحد وبمنهجية مستقيمة، تقوده إلى سلك الطريق الأمثل.
4) التقصير في المذاكرة مع العلماء وطلاب العلم، قال الإمام النووي: «مذاكرةُ حاذق في الفن ساعةً أنفع من المطالعة والحفظ ساعات؛ بل أياماً»(43). وذكر الخطيب البغدادي شروط المفتي، ثم قال: «فمن شرط المفتي النظر في جميع ما ذكرناه، ولن يدرك ذلك إلا بملاقاة الرجال، والاجتماع مع أهل النحل والمقالات المختلفة ومساءلتهم، وكثرة المذاكرة لهم، وجمع الكتب ودرسها ودوام مطالعتها»(44).
5) العـنايـة بالحفـظ دون الفـهم، وهذا يجسد قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «رب حامل فقه غير فقيه»(45)؛ لأن مجرد الحفظ دون الفهم لا يفيد فقهاً ولا علماً؛ إذ الفقه والعلم إنما يكونان بالحفظ والفهم والاستيعاب والتصور، قالت الحكماء: «حياة العلم الفهم»(46)، والفهم هو أقل وأعظم ما يتوفر لدى طلبة العلم، يقول ابن الجوزي: «أقل موجود في الناس الفهم والغوص على دقائق المعاني»(47).
6) ومن العوائـق: النسيان، ومن أسبابه مقارفة المعاصي، ذلك أن هـذا العلم نـور، كما قال - تعالى -: وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشـَـاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: 52]، ونـور الله لا يجتمع مع ظلمة المعصية، يقول الإمام الشـافـعـي:
شكوت إلى وكيع سوءَ حفظي *** فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نورٌ *** ونورُ الله لا يهدى لعاصي
وما أجمل ما نقله البيهقي بسنده عن ذي النون قال: «ثلاثة من أعلام الخير في العالم: التقى [بـ] قمع الطمع عن القلب في الخلق، وتقريب الفقير والرفق به في التعليم والجواب، والتباعد من السلطان. وثلاثة من أعلام الخير في المتعلم: تعظيم العلماء بحسن التواضع لهم، والعمى عن عيوب الناس بالنظر في عيب نفسه، وبذل المال في طلب العلم إيثاراً له على متاع الدنيا. وثلاثة من أعلام الفهم: تلقُّف معاني الأقوال، وإنجاز الجواب في المقال، وكفاية الخصم مؤونة التكرار. وثلاثة من أعلام الأدب: الصمت حتى يفرغ المتكلم من كلامه، ورد الجواب إذا (انتظر) منه الجواب، وإعطاء الجليس حظهُ من المؤانسة والمكاثرة في وجهه حتى يقوم»(48).
يقـول محمـد بن عبـد العظيم الزرقاني: «وعلم الموهبة؛ وهو علـم يـورثه الله - تعالى - لمـن عمل بما علم، ولا يناله من في قلبه بدعة أو كبر أو حب دنيا أو ميل إلى المعاصي، قال - تعالى -: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْـحَقِّ [الأعراف: 146](49).
ومن أسباب ضياع العلم كذلك عدم التكرار؛ إذ إن مَنْ ترك التكرار لا بد أن ينسى.
وخلاصة القول: إن تنمية الملكة الفقهية إذا شُيِّدت على أسسها فإنها تقود إلى فهم الفقه بشكل يجعل الفقيه قادراً على تنزيل أحكامه طبقاً لمقتضيات الواقع، دون تعسف مع النصوص أو ليٍّ لأعناقها.
فأهمية تنمية الملكة الفقهية عند استكمالها لشروطها تتجلى في دورها الفعال في صياغتها العقلَ الفقهي الذي يحرك الآسن من الفقه ليواكب الزمن المتغير بالاجتهاد المثمر؛ الذي هو من زاوية النصوص حركة تؤكد شمولية الشريعة وصلاحيتها الأبدية، ومن زاوية الأفراد يعتبر تجسيداً لملكة تؤهل حامليها لاستنباط الأحكام الشرعية من الأدلة الفرعية التي منطلقها الوحي، وهذا هو ما قاد الفقهاء الأقدمين بما رسخ لديهم من الملكة الفقهية في الاستنباط والترجيح، وحسن الاختيار، وإنزال النصوص على الوقائع إلى مستوى فقهي استطاعوا به أن يغطوا حياة الناس فقهاً وفتوى.
أسأل الله - تعالى - بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا الفقه في الدين، مع الإخلاص واليقين، واتباع الصراط القويم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
-----------------------------
(1) البخاري، كتاب العلم، باب: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، الحديث رقم (71)؛ ومسلم، كتاب الزكاة، باب: النهي عن المسألة، الحديث رقم (1037).
(2) أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه رقم (20479).
(3) انظر: الإنصاف (3/162)؛ وزاد المعاد (4/379)؛ وصيد الخاطر، ص (171).
(4) الموافقات (1/43).
(5) البخاري، كتاب الصلح، باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، الحديث رقم (2692)؛ ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الكذب والمباح منه، الحديث رقم (2605).
(6) انظر: اللسان: مادة (نمى)، (14/296 ـ 697).
(7) انظر: التعريفات للجرجاني، مادة (ملك).
(8) انظر: الإبهاج للسبكي (1/28).
(9) الموافقات (1/139).
(10) المصدر نفسه (1/141 ـ 144).
(11) المقدمة، ص (541).
(12) جامع بيان العلم وفضله (1/418) رقم (613).
(13) معحم مقاييس اللغة، مادة (خلص).
(14) مسلم، كتاب الإمارة، باب: من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، الحديث رقم (1905).
(15) انظر: الجامع لأحكام القرآن (1/17 ـ 18).
(16) انظر: تفسير الطبري (7/12).
(17) سنن ابن ماجة (1/95)، قال الألباني: «ضعيف»، انظر: ضعيف الجامع (5687).
(18) الموافقات (1/73).
(19) سنن أبي داود (3664)؛ وسنن ابن ماجة (1/92)، وصححه الألباني. انظر: صحيح ابن ماجة (1/47).
(20) البخاري، كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الحديث رقم (1)؛ ومسلم، كتاب الإمارة، باب: إنما الأعمال بالنية وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال، رقم (7091).
(21) الموافقات (1/89).
(22) المصدر نفسه (1/107).
(23) مسلم، كتاب المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس، رقم (612).
(24) العقد الفريد (1/205).
(25) انظر: أنوار البروق في أنواء الفروق (6/446، 459).
(26) انظر: إعلام الموقعين (2/236).
(27) الاعتصام (1/201).
(28) البخاري، كتاب العلم، باب: طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم، رقم (62)؛ ومسلم، كتاب الجنة والنار، باب: مثل المؤمن مثل النخلة، رقم (2811).
(29) مفتاح دار السعادة (284).
(30) مقدمة منهج السالكين لمحمد الخضيري، ص (15). وقد عقد الخطيب البغدادي في كتابه: (الفقيه والمتفقه) فصلاً بعنوان: إلقاء الفقيه المسائل على أصحابه، (2/131).
(31) روضة الناظر، ص (7).
(32) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، ص (489).
(33) أنوار البروق في أنواء الفروق، مقدمة الكتاب (1/2).
(34) الأشباه والنظائر، مقدمة الكتاب (1/6).
(35) صيد الخاطر، ص (438 ـ 439).
(36) الموافقات (3/351).
(37) انظر: فيض القدير (6/38).
(38) صيد الخاطر (1/166).
(39) الفقه الإسلامي وأدلته (1/22).
(40) العيال لابن أبي الدنيا (1/517).
(41) تاريخ ابن خلدون (1/734).
(42) الفوائد، ص (70 ـ 71).
(43) شرح مسلم للنووي (1/48).
(44) الفقيه والمتفقه (2/334).
(45) انظر: مسند الإمام أحمد، الحديث رقم (13374)، وقد علق عليه شعيب الأرنؤوط بقوله: «صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن».
(46) المجالسة وجواهر العلم (4/332).
(47) صيد الخاطر، ص (476).
(48) شعب الإيمان (2/316).
(49) مناهل العرفان (2/38).
المصدر: http://islamselect.net/mat/41157
القصور في طلب العلم: أسبابه وعلاجه
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا، ومِن سيئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مُضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70 - 71].
أما بعدُ:
فهذه - إخواني في الله - كلماتٌ لسلفِنا الصالح، كنتُ قد جمعتُها منذ فترةٍ مِن مصادرَ عدَّة، رأيتُ فيها علاجًا لداءٍ عُضالٍ، انتشر بين أبناء الأمة الإسلامية انتشارًا واسعًا، فأوْرَدَها المهالِك؛ إنه داء ترْك تعلُّم العِلْم الشرعي.
ولقد أخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ ذلك سيقع، وأنه مِنْ أشراط الساعة؛ فقال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه البخاري ومسلم - رحمهما الله - من حديث أنس - رضي الله عنه -: ((إنَّ مِن أشراط الساعة أن يُرْفَع العلْمُ، ويظهر الجهْلُ)).
إخواني في الله، لقد باتتِ العلومُ الشرعية تشكو إلى ربِّها من قلة طالبيها، تشكو إليه - سبحانه - مِنَ انصراف عامَّة الناس عنها، وعن تعلُّمِها، وكأن الله - سبحانه - قد نهى عنْ طلَبِها، ولا حول ولا قوة إلا بالله!.
اعتبِروا - إخواني في الله - هذه الكلمات صيْحات تحْذير وإنذار، وترْغيب وترهيب، ترغيب في تحصيل العلْم النافِع، وترْهيب مِنْ ترْك تعلُّم العلْمِ الشرعي.
والله، إنِّي لأَحْزَن أشد الحُزن عندما أجِدُ أبًا لي، أو أخًا، أو ابنًا، يجهل أبسَط الأمور الشرعيَّة، وإنَّ الحُزْن لَيَزْداد عندما أجِد عالمًا مُفسدًا مُضِلاًّ، يَخْرج إلى الناس، ويلعَب بعُقُولهم وبدينهم، وكأنه يخاطب أنعامًا، لا أُناسًا، فتجده يقول فيما أجْمعت الأمة على تحريمه: هذا حلال، ويقول فيما أجمعتِ الأمة على حلِّه: هذا حرام!.
والسبب - بلا شك - هو: أنَّ أكثر الناس ليس عندهم شيءٌ من العلم يدفعون به قولَه؛ بل هم في غفلةٍ من هذا.
والله، لولا ما انتشر مِن الجهل بين الناس، لَمَا استطاع أحدٌ مِن هؤلاء المفسدين أن يبثُّوا سُمُومهم بين أفراد الأمة؛ ولكنَّهم لَمَّا رأَوُا الأرْضَ خصبة لاستقبال أفكارهم الشيطانية بثُّوها.
أخي في الله، اقرأ هذه الكلمات بتدبُّر، ثم عاهِد الله - سبحانه - بعدها على أن تكونَ طالبًا للعلم الشرعي حق طالِب؛ حتى تكونَ منَ المنافحين عن دين الإسلام.
وأخيرًا، فإنِّي أتَقَدَّم بالشُّكر والثناء إلى رفيقة عمري، زوجي الحنون أم أنس؛ على ما تبذله معي من مجهودٍ في إيصال العلم النافع إلى إخواني طلَبة العلْم، فجزاها اللهُ خيرًا كثيرًا، وجعل ذلك في ميزان حسناتها.
واللهَ أسألُ أن يجعلَ عملي هذا لوَجْهه خالصًا، وأن ينفَعني به وإخواني، إنه جَوَادٌ سميع الدعاء.
العلم الشرعي هو أشرف مطلوب:
أخي طالب العلم، أخي المقَصِّر في طلب العلم، اعلموا جميعًا أنَّ أشرف مطلوب هو عِلم الشرع، ولَم يطلبِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن ربِّه أن يزيدَه من شيء سِوَى العلم؛ قال الله - تعالى -على لسان نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)[طه: 114].
إنَّ العلم هو أشرف ما رغب فيه الراغبُ، وأفضل ما طلب وجدَّ فيه الطالِب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب.
إنِّي لَمَّا رأيتُ كثيرًا من إخواني تكاسَلوا عن طلب العلم الشرعي، وتركوه جانبًا، وانصرفوا إلى طلب أمور فانية، لا تنفعهم شيئًا، ولا تُجدي عنهم، كتبتُ هذه الوريقات القليلة؛ ليستيقظَ بها مَن أراد الله به خيرًا.
اعلم أولاً أخي - رحمك الله - أنَّ علْمَ الشريعة ليس منَ الأمور التي هي خاضعة لمشيئة العبد، إن شاء طلبَه، وإن شاء ترَكَه؛ بل إنَّ مِن علوم الشرع ما هو فرْض عيْن على كلِّ مُسلم ومسلمة، ولا يحلُّ لمسلم أبدًا ترْكه، ولا التفريط فيه؛ فإنَّ فرَّط فيه فهو آثِم - ولا شك؛ ففي الحديث أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((طلَبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم)).
ونقل ابن عبدالبر - رحمه الله - في كتابه "جامع بيان العلم وفضله": إجماع أهلِ العلم على أن من علوم الشريعة ما هو فرْض عين، فلا يحلُّ التفريط في تعلُّمِه، فمَن فرَّط في تعلُّمه فهو آثمٌ، ولا شك، وهو مُعَرَّضٌ لعقوبة الله، ولا شك.
ومن ذلك: العلم بأركان الصلاة وشروطها ومُستحباتها وواجباتها، والعلم بما يفسد الصيام، وبما لا يتم الصيام إلا به، ناهيك عنْ وُجُوب تعلُّم كل مسلم ومسلمة عينًا ما يتعلَّق بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، إلى غير ذلك منَ الأُمُور التي لا يحلُّ التفريط فيها أبدًا بحالٍ.
ولهذا كان سفيان الثوري - رحمه الله - إذا لقيَ شيخًا سألَهُ: هل سمعتَ مِن العلم شيئًا؟ فإن قال: لا، قال: لا جَزاك اللهُ عن الإسلام خيرًا.
أخي طالب العلم: ما الذي يشغلك عن طلب العلم؟
لا شك أن أكثر ما يصدُّ الطلَبة في هذه الأيام عن طلب العلم الشرعي، والاستمرار في تحصيله هو ثلاثة أشياء، وهذا فيما رأيتُ وعاصرْتُ من إخواني الذين رأيتُهم يطلبون العلم، وهذه الأشياء الثلاثة هي:
1 - الكَسَل وضعف الهمَّة:
نعم إنَّ الكسل وضعف الهمة داءٌ انتشر في شباب الأمة الإسلامية أيما انتشار؛ بل هو مِن أكبر الآفات المعطِّلة عنْ طلب العلم، ولقد تنبَّه إلى هذا الداء سلفُنا الصالح؛ فهذا ابن الجوزي - رحمه الله - يقول: إنما البكاء على خَساسة الهِمَم.
وهذا الداءُ هو الذي دفع الحجّاوي الحنبلي - رحمه الله - إلى أنْ يُؤلِّفَ مختَصرًا في الفقه؛ فقال - رحمه الله - في بداية هذا المختصر مُعللاً ذلك: إذِ الهِمَمُ قد قصرتْ، والأسباب المثبِّطة عن نيل المراد قد كثرتْ. ا. هـ.
ويقول الشاعر - رحمه الله -:
كُلُّ دَاءٍ فِي سُقُوطِ الهِمَمِ *** يَجْعَلُ الأَحْيَاءَ مِثْلَ الرِّمَمِ
فإنْ كنتَ أخي تُريد أن تعالج هذا الداء فاعلم:
أولاً: أنَّ سقوط الهمة موتٌ لصاحبه:
قال الشاعر:
وَفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأَهْلِهِ *** وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ
وَأَرْوَاحُهُمْ فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِهِمْ *** وَلَيْسَ لَهُمْ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ
وقال الآخر:
قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَمَا *** مَاتَتْ مَكَارِمُهُمْ
وَعَاشَ قَوْمٌ وَهُمْ *** فِي النَّاسِ أَمْوَاتُ
وقال الآخر:
وَمَنْ فَاتَهُ التَّعْلِيمُ وَقْتَ شَبَابِهِ *** فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا لِوَفَاتِهِ
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: مات خُزَّانُ المالِ وهم أحياءٌ، والعلماءُ باقون ما بقي الدهرُ.
ثانيًا: أنصحُك أن تنظرَ في سيَر سلفِنا الصالح، وكيف كانتْ هِمتهم هِمة علياء:
عن أبي عبيد، أنه كان يقول: كنتُ في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة، وربما كنتُ أستفيد الفائدة مِن أفواه الرجال، فأضعها في الكتاب، فأبيتُ ساهرًا؛ فرحًا منِّي بتلك الفائدة، وأحدكم يجيئني، فيقيم عندي أربعة أشهر، خمسة أشهر، فيقول: قد أقمتُ الكثير.
وقال ابن القاسم - رحمه الله -: أفضَى بِمَالِكٍ طلَبُ الحديث إلى أن نقضَ سقفَ بيتِه، فباع خشبَهُ.
وهذا يحيى بن مَعين - رحمه الله - خلَّف له أبوه ألف ألف دِرْهم، فأنفقها كلَّها في تحصيل الحديث، حتى لَم يبقَ له نَعْلٌ يلبَسُه.
وقال سليمان العامري - رحمه الله -:
وَقَائِلَةٍ أَنْفَقْتَ فِي الكُتْبِ مَا حَوْتْ *** يَمِينُكَ مِنْ مَالٍ، فَقُلْتُ: دَعِينِي
لَعَلِّي أَرَى فِيهَا كِتَابًا يَدُلُّنِي *** لِأَخْذِ كِتَابِي آمِنًا بِيَمِينِي
وقال النووي - رحمه الله - حاكيًا عن أوائل طلَبِه للعلم: وبقيتُ سنتين لَم أضعْ جنبي إلى الأرض.
وحكى البدرُ بن جماعة أنه سأل النووي - رحمه الله - عن نومه، فقال: إذا غلبَنِي النوم استندتُ إلى الكتب لحظة، وأنتبه.
وقال البدرُ: وكنت إذا أتيته أزُوره يضع بعض الكتب على بعض؛ ليوسعَ لي مكانًا أجْلِس فيه.
وقالتْ زوجة الإمام الزُّهْري - رحمه الله -: واللهِ، إنَّ هذه الكتب أشدُّ عليَّ مِن ثلاث ضرائر.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: وجدتُ عامة علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند هذا الحي من الأنصار، إن كنتُ لأَقيلُ بباب أحَدِهم، ولو شئتُ أن يؤذنَ لي عليه لأُذِن لي عليه، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه.
وعن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال: ما دقَقْتُ على مُحَدِّثٍ بابه قط.
وفي رواية: ما أتيتُ عالمًا قط فاستأذنتُ عليه، ولكن صبرْتُ حتى يخرجَ إليَّ، وتأوَّلْتُ قول الله - تعالى -: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)[الحجرات: 5].
وقال سفيان الثوري: لا نزالُ نتعَلَّم العلم ما وجدنا مَنْ يُعلِّمَنا.
وقال ثعلبة: ما فقدتُ إبراهيم الحربي مِن مجلس لغةٍ، ولا نحوٍ، خمسين سنة.
وعن أبي زرعة الرازي أنه ربما كان يأكل ويُقْرَأ عليه، ويمشي ويُقْرأ عليه، ويدخُل الخلاء ويُقْرَأ عليه، ويدخُل البيت في طلبِ شيءٍ ويُقْرأ عليه.
وقال ابن أبي حاتم: كنا بِمصرَ سبعة أشهر، لَم نأكلْ فيها مرَقةً، نهارُنا ندور على الشيوخ، وبالليل ننسخ ونُقابل، فأتينا يومًا أنا ورفيقٌ لي شيخًا، فقالوا: هو عليلٌ، فرأيتُ سمكةً أعْجبَتْنا، فاشتريناها، فلمَّا صرْنا إلى البيت حضَر وقت مجلس بعض الشيوخ، فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام، وكادتْ أن تُنْتن، فأكلناها نيئة لَم نتفرغْ نشْويها، ثم قال: لا يُستطاعُ العلمُ بِرَاحةِ الجسَدِ.
ووصف ابنُ ناصر الحافظَ أبا الطاهر السِّلَفِي، فقال: كأنه شعلةُ نارٍ في التحْصِيل.
وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي - رحمه الله - يقولُ: أثقلُ الساعات عليَّ ساعةٌ آكُل فيها.
وقال عمارُ بن رجاء: سمعتُ عبيد بن يعيش يقول: أقمتُ ثلاثين سنة ما أكلْتُ بيدي بالليل، كانتْ أُختي تُلقمُني وأنا أكتُب الحديث.
وقال الشاعر:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ *** تَأْتِي العَزَائِمُ
وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ *** الكِرَامِ المَكَارِمُ
وقيل للشعبي: مِن أين لكَ هذا العلمُ كله؟ قال: بنفْي الاعتماد، والسَّيْر في البلاد، وصبْرٍ كصبر الحمارِ، وبُكُورٍ كبُكُور الغرابِ.
وقال بعض السلف: إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علمًا يُقربُني إلى الله - تعالى -، فلا بُوركَ لي في طلوع شَمْس ذلك اليوم.
وفي مِثْل هذا يقول القائل:
إِذَا مَرَّ بِي يَوْمٌ *** وَلَمْ أَسْتَفِدْ هُدًى
وَلَمْ أَكْتَسِبْ عِلْمًا *** فَمَا ذَاكَ مِنْ عُمْرِي
وقيل لبعض السلفِ: بِمَ أدْركْت العلم؟
فقال: بالمصْباح والجلوس إلى الصَّباح.
وقال الخطيب البغدادي: وأفضلُ المذاكرة مذاكرةُ الليل، وكان جماعةٌ من السلف يفعلون ذلك، وكان جماعةٌ منهم يبدَؤُون من العشاء، فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أَذَان الصُّبْح.
ثالثًا: مِن علاج قُصُور الهِمَّة:
أن تعلمَ أنك بحاجةٍ شديدةٍ وماسةٍ إلى العلم؛ حاجة تزيد على حاجتك إلى الطعام والشراب.
قال الإمام أحمد - رحمه الله -: الناسُ إلى العلم أحوجُ منهم إلى الطعام والشراب؛ فإنَّ الناس يحتاجون إلى الطعام والشراب في اليوم مرَّة أو مرتين، ويحتاجون إلى العلم بعدد الأنفاس.
رابعًا: مِن علاج قُصُور الهمَّة:
أن تعلمَ أن العلْم حمايةٌ لك من الزلَل والعقائد الفاسدة.
قال الإمامُ مالكٌ - رحمه الله -: إنَّ أقوامًا ابتَغَوُا العبادة، وأضاعوا العلْم، فخرجوا على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بأسيافهم، ولو ابتغوا العلْمَ لَحَجَزَهُم عن ذلك.
خامسًا: أن تعلمَ أن العلم لن ينتظركَ، وأن ما فاتك من العلم اليوم فإنك لن تستطيعَ تحصيله غدًا، وانظر معي - رحمك الله - إلى هدْيِ السلفِ الصالح في الحِرْص على السماعِ مِنْ علماء زمانهم:
قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: عليكم بالعلم قبل أن يُرْفَع، ورفْعُه هلاك العلماء، فوالذي نفسي بيده، ليودَّنَّ رجال قُتِلوا في سبيل الله شُهداء أن يبْعثَهم الله علماء؛ لِمَا يرَوْن من كرامتهم، وإنَّ أحدًا لَم يولَد عالمًا، وإنما العِلْم بالتعلُّم.
وقال الحسن البصري: كانوا يقولون: موتُ العالم ثُلْمة في الإسلام، لا يسدُّها شيء، ما اختلف الليل والنَّهارُ.
ولَمَّا مات زيدُ بن ثابت - رضي الله عنه - قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يا هؤلاءِ، مَن سرَّه أن يتعلمَ كيف ذَهاب العلم فهكذا ذهابُ العلم، وايْمُ الله، لقد ذَهَبَ اليوم عِلْمٌ كثير، يموت الرجل الذي يعلم الشَّيء، لا يعلمه غيره، فيذهب ما كان معه - ويُشير إلى قبر زيد - ويقول: لقد دُفِن اليوم عِلْمٌ كثيرٌ.
وكان يحيى بن معين شديدَ الحرْص على لقاء الشيوخ، والسماع منهم؛ خشية أن يَفُوتوه.
وعن أبي أُمامة - رضي الله عنه - أنه قال: عليكم بهذا العلم قبل أن يُقبض، وقبل أن يُرْفع.
وكان أحدهم يحزن، ويصيبه المرض إذا فاتَه شيءٌ من العلم، ومِن ذلك أن شُعبة ذكروا له حديثًا لم يسمعه، فجعل يقول: واحُزْناه.
وكان يقول: إنِّي لَأُذَكَّر الحديث، فيفوتني، فأمرض.
وقال مالك بن يَخَامر: لما حضرتْ معاذًا الوفاةُ بكيتُ فقال: ما يبكيك؟ قلت: والله ما أبكي على دنيا كنتُ أصيبها منك، ولكن أبكي على العِلْم والإيمان اللذين كنتُ أتعلمهما منك.
سادسًا: أن تعلمَ أنَّك أيها المُنْصَرِف عنْ طلَب العلم الشرعي من حُمْق الناس وأغبيائهم - عافاني الله وإياك من ذلك:
قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: الناسُ ثلاثة: عالِم ربَّانِي، ومتعَلِّم على سبيل نجاة، وهَمَج رِعاع، أتْباع كل ناعِق، يَمِيلون مع كلِّ ريحٍ، لَم يسْتضيئوا بنور العِلْم، ولم يلْجَؤُوا إلى رُكْنٍ وثيق.
فقسَّم - رضي الله عنه - الناس إلى ثلاثة أقسام: عالم رباني، ومتعَلِّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، والهمَجُ من الناس - عافاني الله وإياكم أن نكونَ منهم - هم حمقاؤُهم وجهَلَتُهم، الذين لا يُعتَدُّ بهم.
وَوَصَفَهُم - رضي الله عنه - بأنهم: أتْباع كل ناعق؛ أي: مَن صاح بهم ودعاهم تبِعُوه، سواء دعاهم إلى هُدى، أو إلى ضَلال، فإنهم لا عِلْم لهم بالذي يُدْعَوْن إليه: أحق هو أم باطل؟
وقال أبو الدَّرداء - رضي الله عنه -: العالِمُ والمتعَلِّم في الخير شريكان، وسائر الناس هَمَج، لا خير فيهم.
وقال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: اغْدُ عالمًا أو متعلِّمًا، ولا تغْدُ بين ذلك، فإنما بين ذلك جاهل أو جهلٌ، وإنَّ الملائكة تبسُط أجنحتها لرجلٍ غدا يطلُب العلم؛ منَ الرِّضا بما يصنع.
وقال الإمام الأوزاعي - رحمه الله -: الناسُ عندنا أهلُ العلم، ومَن سواهم فلا شيء.
وقال معاذ - رضي الله عنه - في العلم: يلهَمُه السُّعداء، ويُحرمه الأشقياء.
وقال عمر - رضي الله عنه -: موتُ ألف عابدٍ أهْونُ مِن موت عالِمٍ بصير بحلال الله وحرامِه.
ووَجْه قول عمر - رضي الله عنه - أنَّ هذا العالِم يهْدِم على إبليسَ كل ما يبنيه بعلْمِه وإرشاده، وأمَّا العابدُ فنفعُه مقْصُور على نفسِه.
ومِصْداق ذلك كله الذي ورَد عن السلَف في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الدُّنيا ملْعونة، ملعون ما فيها، إلا ذِكْرَ الله وما والاه، وعالمًا أو متَعَلِّمًا)).
سابعًا: مِن علاج قصور الهمة في طلب العلم: أنْ تعلمَ عُلُوَّ منْزلة ما تطلُب:
فلقد حثَّ الله - سبحانه - في آياتٍ كثيرة، ورسولُه - صلى الله عليه وسلم - فيما لا يُحصى كثْرةً من الأحاديث، وكذا السلف الصالِح، على طلَبِ العلم، ومن ذلك:
أولاً: من كتاب الله - تعالى -:
1 - قال - تعالى -: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)[المجادلة: 11].
2 - وقال - تعالى -: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)[البقرة: 201]، قال الحسن البصري: هي العلم.
قال ابن القَيِّم - رحمه الله -: وهذا مِن أحسن التفسير؛ فإنَّ أجَلَّ حسنات الدُّنيا العلْمُ النافع والعمل الصالح. ا. هـ.
3- وقال - تعالى -: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ)[آل عمران: 18].
قال سماحه الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - في شرح العقيدة الواسطية: لو لَم يكنْ مِن فضْل العلم إلا هذه المنْقبة لكفَتْ؛ حيث إنَّ الله ما أخبر أنَّ أحدًا شهِد بألُوهيته إلا أولو العلْم؛ ا. هـ.
4 - وقال - تعالى -: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فاطر: 28].
قال ابن القيِّم - رحمه الله -: وهذا حصْرٌ لِخَشْيته - سبحانه - فِي أُولِي العِلْم.
5 - وقال - تعالى -: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)[البقرة: 269].
قال ابن قُتيبة والجمهور: الحكمةُ إصابة الحق والعمل به، وهي العلْم النافِعُ، والعمَل الصالح.
إلى غير ذلك من الآيات الواردة في فضْلِ العلم وأهْلِه.
وأمَّا السِّنُّة فحدِّث ولا حرَج، فما أكثر الأحاديث الواردة في سُنَّة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في فضل العلم! ومنها:
1 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الدُّنيا ملعونةٌ، ملعون ما فيها، إلا ذِكْرَ الله وما والاه، وعالمًا أو متَعَلِّمًا)).
2- وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مثَل ما بعَثَني الله به من الهُدَى والعلم؛ كمَثَل الغيْثِ الكثير، أصاب أرضًا، فكان منها طائفةٌ طيِّبةٌ، قبِلَتِ الماء؛ فأنبتتِ الكلأ والعُشْب الكثير، وكان منها أجادب أمْسكت الماء؛ فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قِيعَان، لا تُمسك ماء، ولا تُنبت كلأ، فذلك مثل مَن فقُه في دين الله، ونفَعه ما بعَثَني الله به، فعَلِم وعَلَّم، ومثل مَن لَم يرفعْ بذلك رأسًا، ولَم يقْبَلْ هُدى الله الذي أُرسلْتُ به)).
قال سماحة الشيخ الفوزان - حفظه الله - في شرحه على "البلوغ" 1/9 بعد أن ذكر هذا الحديث: وأمَّا الصِّنف الثالث، فهؤلاء لا خيْرَ فيهم، ولا نفْعَ فيهم للمسلمين، فإنهم لَم يحفظوا الأحاديث، ولم يتفَقَّهوا في دين الله. ا. هـ.
3 - وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن سلَك طريقًا يطلب فيه علْمًا، سلك الله - عز وجل - به طريقًا مِن طرُق الجنَّة، وإن الملائكة لَتَضَعُ أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالِم ليستغفر له مَن في السموات، ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإنَّ فضْلَ العالِم على العابد كفَضْل القمر ليلة البدْر على سائر الكواكب، وإنَّ العُلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لَم يُوَرِّثوا دينارًا، ولا درهمًا، وَرَّثُوا العلم، فمَنْ أخذَهُ أخَذَ بحظٍّ وافِر)).
وفي هذا فضيلة علماء هذه الأمة؛ فإنهم إذا قاموا مقام نبيِّهم - عليه الصلاة والسلام - في الدعوة إلى الله، وفي العبادة، وفي كلِّ الخِصال، يكونون حينئذٍ وارثي محمد - صلى الله عليه وسلم - ولو لَم يكُن من العلم إلا هذا لَكَفَى به فخْرًا، ولكان الإنسانُ يبذل فيه عقْله وفِكْره وماله وحياته، فخيْرٌ لك مِن كُلِّ الدنيا وما فيها أن تكونَ وارثًا لسيد المرْسلين في هذه الأمة العظيمة.
4- وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن يُرِدِ الله به خيرًا يُفقِّهْه في الدين)).
قال ابن حجَر - رحمه الله - في "الفتح" 1/165: ومفهوم الحديث أنَّ مَن لَم يَتَفَقَّه في الدِّين - أي: يتعلم قواعد الإسلام، وما يتَّصل بها من الفروع - فقد حُرِم الخيْرَ، وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجْهٍ آخر ضعيف، وزاد في آخره: ((ومن لَم يتفقه في الدين لَم يبالِ الله به))، المعنى صحيح؛ لأنَّ مَن لَم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا، ولا طالب فقْه، فيصح أن يوصفَ بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهِر لِفَضْل العلماء على سائر الناس، ولِفَضْل التفَقُّه في الدين على سائر العلوم. ا. هـ.
وقال سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله - في "مجموع فتاويه" 10/7، 8: مَن حُرِم الفقه في الدين، وصار مع الجهَلة والضالِّين عن السبيل، المعْرِضين عن الفقه في الدِّين، وعن تعلُّم ما أوْجَبَ الله عليه، وعن البصيرة فيما حرَّم الله عليه، فذلك منَ الدلائل على أن الله لَم يُرِدْ به خيرًا، وقد وصَف الله الكفَّار بالإعراض عما خُلِقوا له، وعما أُنذروا به، تنْبيهًا لنا على أن الواجب على المسلم أن يُقْبِلَ على دين الله، وأنْ يتفقَّه في دين الله، وأن يسألَ عما أشكل عليه، وأن يتبَصَّر؛ قال - عز وجل -: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ)[الأحقاف: 3]، وقال - سبحانه -: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)[الكهف: 57].
فمِن شأن المؤمن طلبُ العلم والتفقُّه في الدين، والتبصُّر، والعناية بكتاب الله، والإقبال عليه، وتدبُّره، والاستفادة منه، والعناية بسنة رسول الله، والتفقُّه فيها، والعمل بها، وحفظ ما تيسَّر منها، فمَن أعرض عن هذَيْن الأصلَيْن، وغفل عنهما، فذلك دليلٌ وعلامة على أن الله - سبحانه - لَم يُرِد به خيرًا، وذلك علامة الهَلاك والدَّمار، وعلامة فساد القلب، وانحرافه عن الهدى، نسأل الله السلامة والعافية مِن كلِّ ما يُغضبه. ا. هـ.
وأمَّا الآثار الواردة عن السلف في فضْلِ العلم، وفي تفْضيلهم له على سائر العبادات والنوافل فمنها:
1 - قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: الناس ثلاثة: عالِم رباني، ومتعَلِّم على سبيل نجاة، وهَمَج رعاع، أتْباع كل ناعق، يميلون مع كلِّ ريح، لَم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ، العلم خيْرٌ من المال، العلم يحرُسك، وأنت تحرُس المال، العلم يزْكُو على الإنفاق، والمال تنقصه النفقةُ، العلمُ حاكم، والمال مَحْكوم عليه، ومحبة العلم دِين يُدان بها، العلمُ يُكْسِب العالِم طاعةً في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزوالِه، مات خُزَّان المال، وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقيَ الدَّهْر، أعيانُهم مفْقودة، وأمثالهم في القلوب موْجُودة.
وقال أيضًا - رضي الله عنه -: كفى بالعلم شرفًا أنْ يَدَّعيه مَن لا يُحسنه، ويفرح به إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل ذمًّا أن يَتَبَرَّأ منه مَن هو فيه.
وكان عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول إذا رأى الشباب يطلبون العلم: مرْحبًا بِيَنابيع الحكمة، ومصابيح الظلَم، جدد القلوب، حلس البيوت، ريحان كلِّ قبيلة.
وقال معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: تعلَّموا العلم؛ فإنَّ تعلُّمَه لله خشية، وطلَبَه عبادة، ومُدارسته تسْبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لِمن لا يحسنه صدَقة، وبذْله لأهله قُربة، به يُعرَف الله ويُعبَد، وبه يُوَحَّد، وبه يُعرف الحلال من الحرام، وتُوصل الأرحام، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلْوة، والدليل على السراء، والمُعين على الضرَّاء، والوزير عند الأخِلاَّء، والقريب عند الغُرباء، ومنار سبيل الجنة، يرفع اللهُ به أقوامًا، فيجعلهم في الخير قادةً وسادة، يُقتدى بهم، أدلَّة في الخير تُقْتَصّ آثارُهم، وتُرْمَق أفعالهم، وتَرْغَب الملائكة في خلَّتِهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها، والعلمُ حياة القلوب من العمَى، ونور للأبصار من الظلَم، وقوة للأبدان من الضعف، يبلغ به العبدُ منازل الأبرار والدرجات العُلى، والتفَكُّر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وهو إمام للعمل، والعمل تابعه، يُلهَمه السعداء، ويُحْرمُه الأشقياء.
وقال الشافعي وأبو حنيفة - رحمهما الله -: إن لَم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله، فليس لله وليّ.
وقال عمر - رضي الله عنه -: أيها الناس، عليكم بالعلم؛ فإنَّ لله - سبحانه - رداءً يحبه، فمَن طلبَ بابًا من العلم ردَّأه الله برِدائه، فإن أذنب ذنبًا استعتبه؛ لئلا يسلُبه رداءه ذلك حتى يموت به.
وجاء في الحديث: ((مَن جاءه الموتُ، وهو يطلب العلمَ؛ ليُحيي به الإسلام، فبيْنَهُ وبين الأنبياء في الجنة درجة النبُوة)).
قال ابن القيم - رحمه الله - في "مفتاح دار السعادة" 1/396: وهذا - وإن كان لا يثبت إسناده - فلا يبعد معناه من الصِّحَّة....فمَن طلب العلم؛ ليُحيي به الإسلام، فهو من الصِّدِّيقين، ودرجته بعد درجة النبُوَّة؛ ا. هـ.
وقال ابن عباس وأبو هريرة، وبعدهما أحمد بن حنبل: تذاكُرُ العلم بعض ليلة أحبُّ إلينا من إحيائها.
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: العالِم أعظمُ أجْرًا من الصائم القائم الغازِي في سبيل الله.
وقال أبو هريرة وأبو ذر - رضي الله عنهما -: بابٌ منَ العلم نتعلّمُه أحبُّ إلينا من ألْف ركعة تطوُّعًا، وباب من العلم نُعَلِّمُه - عُمل به، أو لَم يُعملْ به - أحبُّ إلينا من مائة ركعة تطوُّعًا.
وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: لأنْ أعلم بابًا منَ العلم في أمْرٍ أو نَهْي أحبُّ إليَّ مِن سبعين غزوة في سبيل الله.
وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: مُذاكرة العلم ساعة خيْرٌ من قيام ليلة.
وقال الحسَن - رضي الله عنه -: لأن أتعلَّم بابًا من العلم فأُعلِّمه مسلمًا، أحبُّ إليَّ مِن أن يكونَ لي الدُّنيا كلها، فأُنفقها في سبيل الله.
وقال سعيد بن المسيب - رحمه الله -: ليستْ عبادة الله بالصَّوم والصلاة، ولكن بالفِقْه في دينه.
وقال وهب بن منَبِّه: يتشَعَّب من العلمِ الشرَفُ، وإن كان صاحبه دنيًّا، والعز وإن كان مهِينًا، والقرْب وإن كان قصيًّا، والغِنَى وإنْ كان فقيرًا، والمهابة وإن كان وضِيعًا.
وقال سفيان بن عيينة: أرْفعُ الناس عند الله منْزلة مَن كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياءُ والعلماء.
وقال أيضًا: لَم يُعطَ أحَدٌ في الدنيا شيئًا أفضل منَ النبوة، وما بعد النبوة شيء أفْضل من العلم والفقه، فقيل: عمَّن هذا؟ قال: عن الفُقهاء كلهم.
وعن سفيان الثَّوْري والشافعي - رحمهما الله - قالا: ليس بعد الفرائض أفضل مِن طلَب العِلْم.
وقال رجلٌ لابنه: يا بني، عليك بمُجالسة العلماء، واسْمع كلام الحُكماء؛ فإنَّ الله ليُحيي القلبَ الميت بنور الحكمة، كما يُحيي الأرض الميتة بوابل المطر.
والسبب الثاني مِنْ أسباب عُزُوف أكثر الطلَبة عن طلب العلم هو: انشغالُهم بتحْصِيل الرزق والكَدِّ فيه.
فهذه هي الآفة الثانية، والمرَض الفتَّاك والعازف الثاني عن طلَبِ العلْم الشرعي، فتجدُ كثيرًا من الناس يكون - والعياذ بالله - حمارًا بالنهار، جيفة بالليل، مِن شدة طلبِه للرِّزق، فتجد مثل هؤلاء متى وجدوا إلى المالِ سبيلاً بذَلُوا إليه قلوبهم وأفكارهم وحياتهم، كل حياتِهم.
وهذه - والله - آفةٌ عظيمة، ولقد رأيتُ - والله - الكثيرينَ بسببها يترُكُون أشْرف مطلوب، يتركون طلَب العلم الشرعي؛ جرْيًا وراء أخسِّ مطلوب؛ الدُّنيا!.
فتجد مثْل هؤلاءِ - وقد يكونون في بداية أمْرِهم من طلَبة العلم - إذا وقعوا في أدنى وأقل مقارنة بين أمرٍ من أمور الدنيا - قد يكون منَ التفاهة بمكان - وبين درس يحضُرونه، وينفعهم في آخرتهم، انْصرفوا إلى الدنيا، فيهربون من الدَّرس، وكأنهم قد فُكُّوا مِن عقال، وكأنهم كانوا في انتظار هذا الأمر ليُفَكُّوا من رقِّ التعلُّم.
إخواني، لماذا دائمًا نُعطِي الدَّنيَّة في ديننا؟ لماذا دائمًا إذا وقعْنا في مقارنة بين الدُّنيا والآخرة اخترْنا الدنيا؟ لماذا لا نختار الدِّين مرةً واحدة في حياتنا، حتى نُحَصِّل سعادة الدارَيْن؛ الدنيا والآخرة؟
نعم، ففي تحصيل العلم النافع والعمل به تحقيقُ السعادة الحقيقية؛ يقول ابن القيِّم - رحمه الله -: السعادة الحقيقية هي سعادة العلم النافع ثمرته؛ فإنَّها هي الباقية على تقلُّب الأحوال، والمصاحبة للعبد في جميع أسفاره، وفي دوره الثلاثة - أعني: دار الدُّنيا، ودار البرزخ، ودار القرار - وبها يرتَقي معارج الفضْل ودرجات الكمال؛ ا. هـ.
ولعلاج هذه الآفة الخطيرة - أخي طالب العلم - عليك أن تعلَمَ:
أولاً: أن مَن يَسَّر الله له طريق العلم، فأعرَض عنه، ولَم يُلقِ له بالاً، فهو مُعَرَّض لِعُقوبة الله - سبحانه - وسخَطه وعذابه.
قال بعض السلَف: مَن حجب اللهُ عنه العلم عذَّبه على الجهل، وأشد منْه عذابًا مَن أقبل عليه العلمُ فأدْبر عنه، ومَن أهدى الله إليه عِلْمًا، فلمْ يعمَلْ به.
ثانيًا: واعلَموا أيضًا أنَّ هذا مِن الفتنة والاختِبار، والذكي الفَطِن هو الذي يختار دينَه، ويقدمه على دُنياه، وإن كانتْ هذه الدنيا قد أَتَتْه بأجمل زينتها، وانظروا إلى ما ورَد عن سلفنا الصالح في تفْضيلهم للعلم الشرعي على سائر الملَذَّات والشهَوات:
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لما فُتِحَت المدائن أقْبل الناس على الدنيا، وأقبلْتُ على عمر - رضي الله عنه -.
لما فُتحت البلادُ بسبب الغزو في سبيل الله، أقْبَل كثيرٌ من الناس على الدُّنيا، إلا أنَّ ابن عباس كان كيِّسًا فطِنًا، فأقبَل على عُمر؛ يَتَعَلَّم منه دينه.
قال الشاعر:
لِكُلِّ بَنِي الدُّنْيَا مُرَادٌ وَمَقْصِدٌ *** وَإِنَّ مُرَادِي صِحَّةٌ وَفَرَاغُ
لِأَبْلُغَ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ مَبْلَغًا *** يَكُونُ بِهِ لِي لِلْجِنَانِ بَلاَغُ
وَفِي مِثْلِ هَذَا فَلْيُنَافِسْ أُولُو النُّهَى *** وَحَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا الغَرُورِ بَلاَغُ
فَمَا الْفَوْزُ إِلاَّ فِي نَعِيمٍ مُؤَبَّدٍ *** بِهِ العَيْشُ رَغْدٌ وَالشَّرَابُ يُسَاغُ
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مُقارنًا بين المال والعلم: العِلْمُ خير منَ المال؛ العلْمُ يحرُسك وأنت تحرُس المال، العلم يزكو على الإنفاق والمال تنقصه النفَقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومحبة العلم دِينٌ يُدان بها، العلم يكسب العالِم طاعةً في حياته، وجميل الأُحْدُوثة بعد وفاتِه، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خُزَّان المال، وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقِي الدهرُ، أعيانُهم مفقودة، وأمثالُهم في القلوب موْجُودة.
وقال رجل للحسن: يا أبو سعيد، فقال له: كَسْب الدوانيق شغَلك عن أن تقول: يا أبا سعيد.
ثالثًا: أن تنظرَ إلى ما بذله السلف الصالح في سبيل تحصيل هذا العلم:
قال ابن القاسم - رحمه الله -: أفضى بِمالِكٍ طلبُ الحديث إلى أن نقضَ سقف بيته، فباع خشبَه.
وهذا يحيى بن معين - رحمه الله - خلف له أبوه ألف ألف دِرْهم، فأنفقها كلها على تحصيل الحديث، حتى لَم يبقَ له نعْل يلبسه.
وقال سليمان العامري:
وَقَائِلَةٍ: أَنْفَقْتَ فِي الكُتْبِ مَا حَوَتْ *** يَمِينُكَ مِنْ مَالٍ، فَقُلْتُ: دَعِينِي
لَعَلِّي أَرَى فِيهَا كِتَابًا يَدُلُّنِي *** لِأَخْذِ كِتَابِي آمِنًا بِيَمِينِي
رابعًا: أن تعلمَ أن العلم الشرعي يفتح لك باب الرِّزق:
ففي الأثر: أن رجلاً دخل على عبدالعزيز بن مروان يشكو صهرًا، فقال: إن ختَني فعل كذا وكذا، فقال له عبدالعزيز: ومن خَتَنَك؟ قال: الختان الذي يختن الناس، فقال عبدالعزيز لكاتبه: ويحك، بِمَ أجابني؟ فقال: أيها الأمير، إنك لحنتَ، وهو لا يعرف اللحن، كان ينبغي أن تقول: من خَتَنُك؟
فاشتغل عبدالعزيز حتى صار مِنْ أفصح الناس، وكان يعطي على العربية، ويحرم على اللحن، فكان الرجل يأتيه، فيقول له: ممن أنت؟ فيقول: من بني فلان، فيقول لكاتبه: أعطه مائتي دينار.
ودخل عليه رجل من بني عبدالدار، فقال له: ممن أنت؟ فقال: من بنو عبدالدار، فقال: تجدها في جائزتك، فأمر له بمائة درهم.
ويقول أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة - رحمهما الله -: توفِّي أبي إبراهيم بن حبيب، وخلفني صغيرًا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصَّار أخدمه، فكنت أدع القصار، وأمُرُّ إلى حلقة أبي حنيفة، فأجلس أستمع، فكانتْ أُمِّي تجيء خلْفي إلى الحلقة، فتأخذ بيدي، وتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يُعنَى بي؛ لِمَا يرى مِن حضوري، وحِرْصي على التعلُّم، فلما كثُر ذلك على أمي، وطال عليها هربي قالتْ لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسبَ دانقًا يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: مُرِّي يا رعناء، هذا هو ذا يتعَلَّم أكل الفالُوذَج بدُهْن الفُسْتق، فانصرفتْ عنه، وقالت له: أنت شيخ قد خرِفتْ، وذهبَ عقلُك.
ثم لزمتُه، فنفعني الله بالعلم، ورفعنِي حتى تقلدتُ القضاء وكنتُ أُجالس الرشيد، وآكل معه على مائدته، فلمَّا كانتْ في بعض الأيام قدَّم إليَّ هارون فالوذَجة، فقال لي هارون: يا يعقوب، كُل منه، فليس كل يوم يُعمل لنا مثلُه، فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذَجة بدُهن الفُسْتق، فضحِكْت، فقال لي: ممَّ ضحكْت؟ فقلت: خيرًا، أبقى الله أمير المؤمنين.
قال: لتخبرني، وألَحَّ عليَ، فخبَّرتُه بالقصة من أولها إلى آخرها، فعجب من ذلك، وقال: لعمري، إنَّ العلم ليَرْفع، وينفع دينًا ودُنْيا، وترحَّم على أبي حنيفة، وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه.
خامسًا: أن تعلمَ أنك بحرصك على طلب العلم الشرعي سيكْفيك الله - سبحانه وتعالى -، ويبارِك لك في رزقك:
وهذا سفيان الثوري - رحمه الله - يقول: لَمَّا أردتُ أن أطلبَ العلم قلتُ: يا رب، إنه لا بد لي من معيشة، ورأيتُ العلم يدرس، فقلتُ: أفَرِّغ نفسي لطلبه، قال: وسألت ربي الكفاية.
وعزم على طلب العلم، حتى كفلتْ له والدتُه الإنفاق عليه، فقالتْ: يا بني، اطْلُبِ العلم، وأنا أكفيك بمغْزَلِي.
فلما صدقتْ نيته - رحمه الله - وعزم بجدٍّ على التحصيل، يسَّرَ الله له أمْر الطلب، حتى أصبح أمير المؤمنين في الحديثِ.
سادسًا: أن تعلمَ مقدار مجلس العلم الذي تتركه، وتُفرط فيه، مِن أجل هذه الدُّنيا الفانية الزائلة عنك، ولا محالة:
قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا مررتم برياض الجنة، فارْتعوا))، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: ((حِلَق الذكر)).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ لله - تبارك وتعالى - ملائكةً سيَّارة فُضُلاً، يتبعون مجالس الذِّكر، فإذا وجَدوا مجلسًا فيه ذِكْر قعَدُوا معهم، وحفَّ بعضُهم بعضًا بأجنحتهم حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدُّنيا، فإذا تفرَّقُوا عرجوا، وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله - عز وجل - وهو أعلم بهم - من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادٍ لك في الأرض، يسبِّحونك، ويكبِّرونك، ويُهلِّلونك، ويحمدونك، ويسألونك، قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا، أي رب، قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: وممَّ يستجيرونني؟ قالوا: مِن نارك يا رب، قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: قد غفرتُ لهم، فأعطيتهم ما سألوا، وأجرْتُهم مما استجاروا، قال: فيقولون: رب، فيهم فلانٌ عبد خطَّاء، وإنما مرَّ فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرتُ، هم القوم لا يشقَى بهم جليسُهم)).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما من قوم يجتمعون في بيت من بيوت الله، يتعلَّمون القرآن، ويتدارسونه بينهم، إلا حفَّتهم الملائكة، وغشِيتهم الرحمة، وتنَزَّلت عليهم السَّكينة، وذَكَرَهُمُ الله فيمَن عنده)).
وقال سهل بن عبدالله التُّسْتري: مَن أراد النظر إلى مجالس الأنبياء، فلْينظُر إلى مجالس العلماء.
قال ابن القيِّم - رحمه الله - في "مفتاح دار السعادة" 1/391: وهذا لأنَّ العلماء خلفاء الرُّسل في أمَمهم، ووارثوهم في علمهم، فمجالسهم مجالس خلافة النبوة؛ ا. هـ.
سابعًا: أن تعلمَ أنَّ الانصراف إلى الدُّنيا، وترْك تعلُّم العلْم الشرعي نوعٌ منَ الدنُو والنُّزول إلى السفْل:
فلقد وصَف الله - سبحانه - في كتابِه عبادَه في هذه الدُّنيا أتَمَّ وصْفٍ، فوَصَفَهُم - عز وجل - بالانخراط في الدُّنيا، وإهمال تعلُّم شرع الله، والعمل به؛ فقال - سبحانه -: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)[المؤمنين: 63].
ففي أمور الآخرة القلوب منغمرة عنها، وأمَّا أعمال الدُّنيا الدَّنيَّة فهم لها عاملون.
وأما السبب الثالث من أسباب ترْكِ طلَب العلم فهو: ما يُلاقيه بعضُ الطلبة من المشَقَّة في طلب العلم، سواء في ذلك المشَقَّة البدنيَّة، أو المشقة الذِّهنيَّة.
فالمشقة البدَنية كأن يكون مكانُ الدَّرس بعيدًا عنه جدًّا، فيشق عليه الذهاب إليه، وكأن يكون موعد الدرس غير مناسب له، فيكون مثلاً متأخرًا، ولو حضر الدرس لَم يجدْ مواصلة تعيده إلى بيته، أو أعادته إليه متأخرًا... إلى غير ذلك من أنواع المشقات البدَنيَّة التي يُلاقيها طالب العلْم.
والمشَقَّة الذهنية كأن يكون عند الطالب صُعوبة في فهم مادة شرعية معيَّنة، وذلك كعِلم النحو الذي يُعاني مِن صعوبة فهْمه أكثرُ الطلبة.
وأنا أقول في الجواب عن هذا:
أولاً: لتعلم - أخي طالب العلم - أنَّ المشقَّة في تحصيل العلم هي أمْر كوني، وسُنة كونية لا بُدَّ منها، فطلَبُ العلم قرين المشقَّة، والمشقة قرينة طلب العلم، لا يفترقان أبدًا، فالقاعدةُ العريضةُ التي لا استثناء فيها: أنه لا يُستطاع العلم براحة الجسد، وأنَّ مَن طلَب العِلْم سهر الليالي، وأنَّ العلم لن يُعطيك بعضه حتى تعطيه كُلَّك، وأنَّ مَن طلَب الراحة بالعلم ترَك الراحة البدَنيَّة، وانظر إلى ما يلي من الآثار عن سلَفِنا الصالح في ذلك:
قال الأصمعي: مَن لَم يحتمل ذُل التعلُّم ساعة، بقِي في ذُلِّ الجهْل أبدًا.
وعن بعض السلَف قال: مَن لَم يصبرْ على ذُلِّ التعلُّم، بقي عمره في عماية الجهالة، ومَن صبر عليه آل أمرُه إلى عزِّ الدُّنيا والآخرة.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي - رحمه الله تعالى -: تأمَّلتُ عجبًا، وهو أن كلَّ شيء نفيس خطير يطول طريقه، ويكثر التعبُ في تحصيله، فإنَّ العلم لَمَّا كان أشرف الأشياء، لَم يحصل إلا بالتعَب، والسهر، والتكرار، وحجر اللذات والراحة، حتى قال بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي الهريسة لا أقدر؛ لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس؛ ا. هـ.
وقد أحسن القائلُ في ذلك:
فَقُلْ لِمُرَجِّي مَعَالِي الأُمُورِ *** بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ رَجَوْتَ المُحَالاَ
وقال مسلم في صحيحه: قال يحيى بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم.
وقد قيل: من طلب الراحة ترَك الراحة.
وقال الشاعر:
فَيَا وَصْلَ الحَبِيبِ أَمَا إِلَيْهِ *** بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ أَبَدًا طَرِيقُ
لاَ تَحْسَبِ المَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ *** لَنْ تَبْلُغَ المَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبْرَا
ولقد كان أهل العلم - رحمهم الله - تعالى - يلاقون المصاعب والشدائد في تحصيلهم للعلم، نصح الإمام ابن هشام النحوي - رحمه الله - صاحب كتاب "القطر"، و"المغني" وغيرهما - طلبة العلم بالصبر على مشاقِّ العلْم والتحصيل؛ إذ هو شرْط في نيْل المراد العزيز الغالي؛ فيقول:
وَمَنْ يَصْطَبِرْ لِلْعِلْمِ يَظْفَرْ بِنَيْلِهِ *** وَمَنْ يَخْطُبِ الحَسْنَاءَ يَصْبِرْ عَلَى الْبَذْلِ
وَمَنْ لَمْ يُذِلَّ النَّفْسَ فِي طَلَبِ العُلَى *** يَسِيرًا يَعِشْ دَهْرًا طَوِيلاً أَخَا ذُلِّ
وَمَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً *** تَجَرَّعَ ذُلَّ الجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ
وأنا أَذْكُر عن نفسي - أي: أبي أنس - أنِّي في بداية طلب العلم، مكثْتُ ما يقرب من سنة أعاني من صعوبة شديدة في فهْم علم النحو، ومع ذلك كنتُ أحرص على حُضُور درسه، حتى مَنَّ الله عليَّ بالفَهْم، فالحمدُ لله على إنعامِه.
فعليك يا طالب العلم أن تجِدَّ في التحصيل، فإنَّ الأمر كما قال ابن الجنيد: ما طلب أحدٌ شيئًا بجد وصدق إلا ناله، فإن لَم ينلْه كله نال بعضه.
ولقد كان العلامة محمود شكري الآلوسي البغدادي الحفيد يمتاز بالجد الشديد، والحِرْص على الوقت، فكان لا يثنيه عن دروسه حمارَّة القيظ، ولا يؤخِّره عنها قرْص برد الشتاء، وكثيرًا ما تعرَّض تلاميذه بسبب تأخُّرهم عن موعد الدرس إلى النقد والتعنيف.
قال عنه تلميذه العلامة بهجة الأثري: أذكر أنني انقطعتُ عن حضور درسه في يوم مزعج، شديد الريح، غزير المطر، كثير الوحل، ظنًّا منِّي أنَّه لا يحضر إلى المدرسة، فلمَّا شخصت في اليوم الثاني إلى الدرس، صار ينشد بلهجة غضبان:
وَلاَ خَيْرَ فِيمَنْ عَاقَهُ *** الحَرُّ وَالبَرْدُ
ثانيًا: لتعلم أخي طالب العلم أنه وبالرغم من هذه المرارة وهذا التعب الذي تجده في طلب العلم، إلا أنَّ الله - سبحانه - قد مزج هذه المرارة بحلاوة ولذَّة لا تجدها إلا في السَّعْي لطلَب العلم، واسْمع إلى ما يقولُه علماءُ السلَف - رحمهم الله - في ذلك:
قال ابن أبي حاتم: سمعتُ المزَنيّ يقول: قيل للشافعي: كيف شهوتك للعلم؟ قال: أسمع بالحرف - أي: بالكلمة - مما لَم أسمعه، فتودُّ أعضائي أنَّ لها أسماعًا تتنعم به ما تنعَّمت الأذنان.
فقيل له: كيف حِرْصك عليه؟
قال: حرصُ الجَمُوع المنوع في بلوغ لذته للمال. فقيل له: فكيف طلبك له؟
قال: طلب المرأة المضلَّة ولدها، ليس لها غيره.
وقال الزمخشري - رحمه الله - واصفًا تلذُّذ العلماء بإيقاظ ليلهم، وطول سهرهم:
سَهَرِي لِتَنْقِيحِ العُلُومِ أَلَذُّ لِي *** مِنْ وَصْلِ غَانِيَةٍ وَطِيبِ عِنَاقِ
وَتَمَايُلِي طَرَبًا لِحَلِّ عَوِيصَةٍ *** أَشْهَى وَأَحْلَى مِنْ مُدَامَةِ سَاقِي
وَصَرِيرُ أَقْلاَمِي عَلَى أَوْرَاقِهَا *** أَحْلَى مِنْ الدُّوكَاءِ وَالعُشَّاقِ
وَأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الفَتَاةِ لِدُفِّهَا *** نَقْرِي لِأُلْقِي الرَّمْلِ عَنْ أَوْرَاقِي
أَأَبِيتُ سَهْرَانَ الدُّجَى وَتَبِيتَهُ *** نَوْمًا وَتَبْغِي بَعْدَ ذَاكَ لَحَاقِي؟!
وبهذا ينتهي ما أردتُ بيانَه، واللهَ أسأل أنْ يجعل في هذه الكلمات النفع، وأن يكون حافزًا لإخواني في تحصيل العلم الشرعي.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المصدر: http://islamselect.net/mat/87181
